وولف حكايات ليان
المحتويات
إنك عايش سنين فاكر إنه كلبك وإنك صاحبه. بتقول اسمه فولجر... بس إنت ما سمعتوش ينبح من الفرحة ليك، ولا شفتوه يلعب، ولا عرفت إيه اللي بيخيفه وإيه اللي بيرضيه. كنت تعتبره سلاح، حاجة تتبعك وتحميك مش كلب بقلوب.
ليون اتصدم، وغضب بدأ يشتعل جواه، لكنه بقي واقف مش قادر يتكلم، لأن الكلام ده لمس حاجة جواه كان بيحاول يخفيها حتى عن نفسه.
وإلا... كملت إيما، ليه وصل أصلًا للملجأ؟ ده السؤال اللي إنت ما سألتوش نفسك لحد دلوقتي. ليه كلبك المخلص اللي ما يفارقكش، رميتوه في الشارع؟
ليون رد بسرعة وبتوتر واضح
أنا ما رميتوش! هو... هو ضاع! فُقد من بيتي من شهرين! لفيت كل مكان! سألت كل حد!
إيما هزت راسها ببطء، وابتسمت بحزن
هو ما ضاعش. هو هرب.
الكلمة وقعت كحجر تقيل على قلبه.
هرب؟.. سأل ليون بصوت خافت. مني؟
أيوه. هرب منك. واللي جابوه لنا هو راجل بيشتغل في توصيل الطلبات، لقاه ملقى على قارعة الطريق، في حالة وحشة، وجع في رجله اليمين، ومش عايز يروح ناحية أي بيت ولا أي حد لابس ملابس رسمية. كان مرعوب يا سيد وولف. مرعوب بكل معنى الكلمة.
إيما فتحت ملف على الكاونتر، وطلعت صور صور فولجر أول ما جالهم نحيف، عينيه غارقة، وجرح في رجله، وشكله كأنه مات نصه. مدته الصور، وليون أخدها بإيد مرتعشة. شاف الكلب اللي كان عنده دائمًا قوي ومرفوع الراس، وهو في الصور مكسور، منكمش على نفسه في زاوية.
عالجنا وجعه، وأكلناه، وبقينا معاه شهر ونص. وطوال الفترة دي، ما كان يسمح لأي حد يقرب منه غيري. كان يخاف من الرجالة بالذات اللي طوال القامة، واللي صوتهم عالي، واللي لابسين ملابس سودا. وكل مرة كان يسمع صوت عربية فخمة تقف قدام الباب، كان يجري ويختبي تحت السلالم. لحد ما اليوم ده جيت إنت... وكل حاجة اتوضحت.
ليون بص للصور، ثم بص للكلب اللي قاعد جنب إيما، وعينيه مليانة دموع ما عايزة تنزل. لأول مرة في حياته شاف نفسه بعين حد تاني بعين الكلب اللي كان يفترض إنه يحبه.
أنا... ما أذيتهوش، قال بصوت مهزوز. كنت أطعمه أحسن الأكل، وأخليه ينام في البيت، وكنت أخده معايا في كل حتة...
إيما قاطعته بهدوء
الأكل والمكان الدافئ مش حب يا سيد وولف. الحب إنك تحس بيه. إنك ما تضغطش عليه لما يكون خايف. إنك ما تخلّيه يشوف وحش الأيام دي كلها. إنت كنت تاخده معاك في الصفقات، في الليالي السودا، في المواجهات اللي الكلام فيها بيصير حجر والقلوب تتقسى. كنت تخلّيه يسمع الأصوات العالية، ويشوف الناس وهم خايفين منك، ويحس بالكراهية اللي حولك. وكل مرة كان بيحس بخوفك وغضبك، كان هو يتحمل النصيب الأكبر منها. الكلب بيأخذ مشاعر صاحبه ولما تكون مشاعرك كلها غضب وقسوة وخوف، الكلب بيعيشها معاك أضعاف.
سكتت شوية عشان الكلام يهدي عليه، ثم كملت بنعومة
وآخر يوم... اليوم اللي هرب فيه، كان فيه صوت عالي في بيتك. كنت غاضب جدًا، وضربت إيدك في الحيطة، وصوتك هز البيت. وفولجر كان جنبك، وارتجف من الخوف... وانت ما لاحظتش. ما شفتوش كيف قلبه اتقطع. وفي اللحظة اللي فتحت فيها الباب وخرجت، هو جرى لأنه خاف. خاف من الغضب اللي جواك، وخاف إنه يصير له حاجة، أو إنه يصير ليك حاجة. ركض وما وقفش لحد ما تعب ووقع في الطريق.
ليون اتكأ على الكاونتر، وراسه سقط بين إيديه. الكلام ده صحيح. هو تذكر اليوم ده تمامًا. كان غاضب جدًا من صفقة فشلت، وصوته كان عالي، وحاسس إن الدنيا كلها ضده. وتذكر لمحة الكلب في عينيه نظرة ما كان فاهمها ساعتها، لكن دلوقتي عرف إنها كانت نظرة خوف وحيرة.
كنت فاكر إنه مخلص لي عشان قوي، قال بصوت مخنوق. وما عرفتش إنه بيصبر عشان بيحبني... وكل ده كان بيتكسر جواه.
فولجر سمع صوته المتغير، رفع راسه، وبص ليه بشوية ريبة بس من غير خوف زي الأول. قام ببطء، ومش خطوة واحدة ناحية ليون، ثم وقف وتردد.
إيما مسحت على ظهر الكلب وقالت
القرار قراره. مش قرارك ولا قراري. هو اللي يختار مين يعيش معاه.
ليون رفع راسه، وعينيه حمراء. بص للكلب اللي كان رفيقه سنين طويلة، الكلب اللي كان يعتبره أقرب حد ليه واتفاجئ إنه ما يعرفه حق المعرفة. ما سألهوش يوم إنت مبسوط؟. ما لعب معاه يوم. ما جلس معاه ساعة من غير سبب غير إنه عايزه. كان كل العلاقة اتبعني واحميني. والحب اللي كان بيعطيه كان حب من طرف واحد من ناحية الكلب، ومن ناحيته مجرد امتلاك.
عايز أتعوض، قال بصوت صادق مليان دموع. عايز أحاول. ما بطلبش غير فرصة واحدة. أروح وأتعلم كيف أكون صاحب حقيقي. مش سيد. صاحب.
إيما بصت له طويلًا، ثم هزت راسها ببطء
الفرصة لازم تستحق. ومش في يوم وليلة. لو عايز فعلاً، تعال. بس من غير بودي جارد، ومن غير عربية فخمة، ومن غير صوت عالي. تعال كإنسان عادي. اجلس معاه. العب معاه. اسمح له يختارك من جديد لو عايز. ولو ما عايزش... تحترم اختياره.
ليون بص لفولجر، ثم بص لإيما، وفهم إن ده أول
متابعة القراءة