انا وبنتى حكايات ليان

لمحة نيوز

إن الزمان والمكان والفلوس خدوه منك، وهو راضٍ ومش عايز يرجع.
جلست في عربيتي ساعات طويلة بعد ما مشيت من هناك. الشمس غابت والدنيا اسودّت، وضوء القمر بيلمع على الزجاج، والهواء بدأ يبرد. الميه اللي كانت على ملابسي نشّفت وبقت قشور، وجسمي بيتألم، لكن الوجع اللي في قلبي كان أضعاف أضعافه.
كنت فاكرة إني حعيط لحد ما مفيش دموع فاضلة، لكن في نص الليل هدأت. سكتّ. وبدأت أفكر بوضوح لأول مرة من سنين.
قلت لنفسي هي عملت كده عشان أصحابها يشوفوها قوية؟ عشان تثبت لهم إنها مش مرتبطة بحد؟ ولا هي فعلاً شايفة إن أنا عبء عليها؟
وكل سؤال بيقودني لتاني، لحد ما وصلت لحقيقة تانية ما كنتش عايزة أعترف بيها الشقة الفخمة، والسيارة الفارهة اللي بتسوقها، والفلوس اللي بتصرفها بسهولة... مش كلها من شغلها. القرض اللي وقّعت عليه بضمان مرتبي ومعاشي هو اللي مول كل ده. وكل شهر، أنا اللي بدفع القسط من عرقي وتعبي. وهي عايشة وكأنها كلها من مجهودها هي.
واليوم اللي بعده صحيت بدري. ما نمتش كتير، لكن كنت مستيقظة أكتر من أي وقت. رحت البنك، وسحبت الأوراق، وراجعت الحسابات، وجمعت كل اللي يثبت الحق. ما عملت كده عشان انتقم. عملت كده عشان أفهمها حقيقة ما عايزة تقتنع بيها.
رجعت للكومباوند في الظهيرة. لما شافتني، قالتلي بحدة قبل ما أتكلم
إزاي تيجي من غير اتصال؟ ماينفعش كده، أصحابي كانوا معايا امبارح وقلتلك ريحتك...
قاطعتها بهدوء هدوء خوفها وقلت لها بصوت واضح
امبارح عملتي اللي عملتيه، وقلتي الكلمة اللي وجعتني. ما جيتش أحاسبك عليها. جيت أقولك حاجة واحدة نسيتيها.
فتحت الملف اللي معايا وريتها الأوراق العقود، القروض، الإيصالات، التواقيع.
كل ده اللي أنتِ عايشة فيه، والحمام اللي زقتيني فيه، والشقة اللي فخورة بيها... أنا اللي بدفع تمنها كل شهر. أنا اللي وقّعت وضمنت ودفعت من دم قلبي. وأنتِ شايفة كل ده جالك بالساهل.
بصت للأوراق وبصت لي، ولون وشها تغير. حاولت تتكلم، تبرر، تقول حاجة، لكن الكلمات وقفت في حلقها.
قلتلها بكل هدوء وألم
ما طلبتش منك تردّيلي فلوس. ما طلبتش منك تعطيني حاجة. كل اللي طلبته هو إنسانة بنتي اللي كنت أعرفها. واليوم عرفت إنها راحت. وأنا مش هقدر أستمر أمسك كل حاجة لوحدي وأنتِ بتكسريها تحت رجليّ.
وقفت وبصت لآخر مرة شفت في عينيها صدمة، وخوف، وربما ندم جاي متأخر كتير ومشيت.
مشيت من غير ما أرد عليها لما نادتني. مشيت وأنا حاسة إن حملاً ثقيلاً كان على كتفيّ سقط. مشيت ورجعت لبيتي الصغير البسيط، اللي مفيش فيه حمام سباحة ولا شموع غالية، لكن فيه ذكريات ناس حبوني بصدق.
مرّت شهور.
ما كلمتهاش كتير في الأول. خليتها تعيش وتجرب وتعرف إن الدنيا مش كلها ورود، وإن اللي بتبنيه بالكلام ما يفضلش.
وكانت تتصل بيّ كل فترة، وفي كل مرة صوتها يتغير شوية. تصير أضعف، وأكثر حاجة للسؤال، وأقل تكبراً.
إلى أن جاني اتصال في ليلة ممطرة. صوتها كان مهتز ومبحوح
ماما... القسط اتأخر وما عرفتش أدفعه. والشركة كلمني وقالتلي إن لو ما دفعتش الحساب كامل هيسحبوا الشقة. أنا خايفة.
سكتّ شوية، وقلتلها
أعرف. دفعتّه.
صوتها صعد بدهشة ودمع
ليه؟ بعد كل اللي عملته معاكِ؟
تنهدت وقلت لها بكل صدق
عشان أنا أمك. وما بيتغيرش حب الأم مهما عملتي. لكن الحاجة اللي اتغيرت إنك لازم تعرفي قيمة الحاجة عشان تتحملي مسؤوليتها. مش هفضل أدفع عنك طول عمري. الشهر الجاي القسط عليكِ.
بكت في التليفون كتير. اعتذرت. قالتلي كلام وجعني ودفعني للدمع. قالتلي إنها شافت إن كل حاجة كانت واقفة فوق كتفيّ وحدي، وإنها كانت عمياء، وإنها خجلانة مني ومن نفسها.
وما رجعتش زي ما كانت.
بدأت تجيلي بيتي. تجلس معايا في المطبخ، تساعدني في الطبخ، تسألني عن حكايات زمان. مرة جابت معاها الفطير اللي أنا علمتها تعمله، وقعدنا نأكل على السفرة القديمة.
وفي يوم من الأيام، دخلت عليها المطبخ ولقيتها بتغسل الصحون وبتعيط. لما شافتني مسحت دموعها وقالتلي بصدق
كنت فاكرة إن العظمة والفلوس والشكل ده هو اللي يجعلك إنسانة محترمة. واكتشفت إن اللي يجعلك إنسانة حقيقية هو اللي تعمله لغيرك من غير ما تنتظر مقابل. وأنتِ عملتي كل ده وأنا ما استاهلتوش.
ما رجعتش البنت الصغيرة بالظبط لأننا كبرنا والزمان أخذ حكمه لكن رجعت بنتي. الإنسانة اللي عرفت قيمتي وقيمة نفسها.
وبعد فترة، سألتني
يا ماما، سامحتيني؟
بصتلها وابتسمت ابتسامة دافية زي زمان وقلتلها
القلب اللي بيحب ما بيعرفش يحقد. بس اللي حصل بينا علمنا حاجة مهمة.
إيه؟
إن الحب مش بس كلام . الحب كمان احترام. وتقدير. وإنك تشوفي اللي قدامك مهما كان شكله أو مستواه.
واليوم، أنا لسه بشتغل وبعيش، وبنتي بتجيني كل جمعة. أحياناً بنتكلم كتير، وأحياناً بنجلس ساكتين بس نحسّ ببعض. وما نسيتش امبارح الحمام أبداً، لكنه بقى ذكرى علّمتنا الاتنين إن أغلى حاجة في الدنيا مش الشقة الفخمة ولا حمام السباحة. أغلى حاجة هي العلاقة اللي بين الأم وبنتها، وإنك مهما وصلتي لفوق، لازم تفضلي عارفة إنتِ جاية منين.
ذات يوم قعدنا جنب بعض في الشرفة بتاعة بيتي، وهي بصتلي وقالتلي بصوت هادئ مليان دموع الندم والحب
عايزة أعوضك.
مسكت إيدها وقولتلها
ما تعوضيش يا حبيبتي. بس كوني بنتي
اللي أعرفها. وكل ما تكبري وتشوفي الدنيا، افتكري إن في حدّ كان بيدفع كل حاجة عشان تضحكي.
وهي حطت راسها على كتفي زي زمان، وقالتلي الكلمة اللي استنيتها سنين
أنا فخورة بيكي يا ماما. وأنتِ فعلاً بطلة حياتي.
وكان الكلام ده أحسن تمن دفعته في حياتي.
لأن الحب مهما اتأخر ومهما اتجرح، بيرجع في النهاية لبيته. وبيت الأم قلبها، وبيت البنت في حضنها. وما فيش قوة في الدنيا تقدر تفرقهم طالما الحب والاحترام موجودين.
والدنيا علمتني درسين إن التضحية بتظل جميلة مهما كانت قاسية، وإن الناس مهما ابتعدوا واتغيروا، في يوم بيرجعوا للي يحبهم بصدق.
وكان الحمد لله في نهاية الحكاية... رجعت لي بنتي. ورجعت لي نفسي. واتعلمنا إن الحب الحقيقي بيصمد قدام كل حاجة، حتى قدام الغفلة والكبرياء والزمان الطويل.

تم نسخ الرابط