انا وبنتى حكايات ليان

لمحة نيوز

كان المفروض أفهم إن في حاجة غلط أول ما بنتي ابتسمتلي.
مش الابتسامة الدافية اللي كانت بتديني إياها وهي صغيرة، الابتسامة اللي كانت بتخليني أنسى كل وردية إضافية اشتغلتها، وكل فاتورة اتأخرت في دفعها، وكل ليلة قضيتها من غير نوم.
الابتسامة دي كانت مختلفة. كانت باردة، متكبرة، فيها شوية سخرية كأنني حاجة جابتها معاها من زمن قديم عايزة تتخلص منه.
كانت ماشية ناحيتي على أرضية حمام السباحة المشمسة، وصحابها قاعدين تحت الشماسي الغالية، ماسكين كوبايات مشروبات ساقعة عليها نقط الميه من الرطوبة. صوت المزيكا كان مالي المكان نغمات عالية ناعمة مش بتاعتي ومختلط بصوت حشرات الصيف اللي جاي من ورا السور العالي اللي بيفصل الحياة دي عن العالم اللي جيت منه أنا.
وفجأة، حطت إيديها الاتنين على كتافي برفق.
لثانية واحدة بس، قلبي فرح.
افتكرت . إنها أخيرًا حسّت بذنب، أو اشتاقت لي، أو شافتني قدام أصحابها وقالت في نفسها دي أمي اللي ليها فضل عليّ.
لكن بدل ، قربت مني لدرجة إني شفت نظرة التسلية في عينيها عينين لسه بحبهم بجنون، لكن اليوم كانوا غريبين عني وبعدين زقتني بكل قوتها في الجزء العميق من حمام السباحة.
المية الساقعة غطتني بالكامل.
الجزمة وقعت من رجلي، وفستاني الأزرق المفضل اللي كنت اشتريته بفلوس كنت محتاجاها عشان أبدو لائقة جنبها اتنفخ حوالين رجلي كأنه كيس هواء، والكلور حرق عيني وأنا بحاول أطلع لسطح الميه وقلبي بيخفق من الصدمة والبرد والوجع اللي جوايا.
وأول ما راسي ظهرت فوق الميه، سمعت ضحك.
مش ضحك توتر.
ولا ضحك صدمة.
ولا حتى ضحك خوف إن أمها تغرق.
ضحك حقيقي. صادر، مالي المكان، كأنها كسبت جوايز الدنيا كلها.
واحدة من الستات كانت هتوقع الكوباية من إيديها من كتر الضحك، وواحدة تانية كانت ماسكة بطنها وهي بتضحك جنب كرسي الاسترخاء، وعيونهم كلها عليّ وأنا برعش في الميه الباردة.
وبنتي كانت واقفة فوقهم كلهم، شامخة، مبتسمة بنصر، شكلها زي الملكة اللي طردت عدوّها.
سقفت مرة واحدة ببرودة وقالت بصوت عالي يسمعوه الكل
يمكن دلوقتي أخيرًا ريحتك تبقى أحسن يا ماما!
وانفجرت الضحكات في المكان من جديد.
كلمة بسيطة، بس طعنتني في قلبي أكتر من أي سكين. يعني ريحتي ريحة الشغل، ريحة التعب، ريحة الحياة اللي عشتها عشان هي تعيش حياة أحسن كانت عيب عندها، حاجة تخجل منها، حاجة لازم أتغسل منها.
فضلت باصة لها وأنا الميه بتنزل من على وشي وشعري ملتصق بوجهي. ماكنش عندي صوت أتكلم به. كنت حاسة إن كل تعب السنين اتجمع في اللحظة دي وضربني في صدري.
كانت مبسوطة جدًا. كأنها عملت أظرف حاجة في حياتها وهي بتذل الست اللي قضت عمرها كله بتحميها وبتبني لها مستقبل.
بس اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن قبل شروق شمس اليوم اللي بعده، الحوش الجميل، والحياة المرفهة اللي بنتي كانت بتحب تستعرض بيها، والنجاح اللي كان باين كأنه جه بسهولة... كل ده هيبدأ ينهار بسبب حقيقة واحدة بسيطة نسيتها.
بنتي نسيت مين اللي كان ماسك كل حاجة من ورا الستار. نسيت إن كل ده مش بني على الهواء، بُني على عظامي وتعبي ودمعي.
اليوم ده، في شهر يوليو، كان بدأ عادي جدًا. الحرارة كانت طالعة من الأسفلت بتحرق الرجل، وريحه الحشائش المتقصوصة كانت داخلة من شباك المطبخ المفتوح، والشمس كانت عاملة أشكال دهبية على أرضية السفرة اللي لمستها إيديها أول ما جيت. كنت جايالها فطير بالسمنة زي ما بتحب، وحطيت معاه عسل أسود، وفكرت في نفسي حتى لو ما تكلمش كتير، هياكل وتضحكلي ونرجع زي زمان.
كان المفروض يبقى يوم صيفي عادي.
لكن بدل كده، بقى اليوم اللي قلبي أخيرًا صدّق فيه الحقيقة اللي عقلي قضى سنين بيحاول ينكرها ويداريها ورا أعذار واهية.
وبالليل، كنت قاعدة لوحدي جوه عربيتي البيوك القديمة اللي ما بتبيعهاش عشان فيها ذكريات جوزي، وفستاني لسه مبلول من الميه وبيلتصق بجسمي، وبعيط بطريقة ماعيطتش بيها من ليلة ما دفنت جوزي ليلة كنت فيها حاسة إن الدنيا ضاعت، لكنني كنت عارفة إن لسه عندي سبب أعيش. واليوم ده، حسّت إن السبب ده راح.
عيطت بصوت مكتوم عشان ماحسش بيها حد، ودموعي نزلت سخنة على خديّ، ومزجت مع ميه حمام السباحة اللي غسلتنيش من العار اللي حطّته فيّ.
بس في حمام السباحة، وأنا محاطة بناس غرب بيضحكوا عليا كأني مسخّر لهم، حاجة جوايا اتغيرت. قلبي اللي كان طري وطاوعها في كل حاجة، قسى شوية. ما ماتش، لكنه صحي.
اللي اتكسر مش كرامتي.
ولا حتى كبريائي.
اللي اتكسر كان آخر أمل ضعيف جوايا... أمل إن الست اللي واقفة فوق راسي دي، لسه جواها البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتلف دراعاتها حوالين رجلي وتشدني عشان أحملها، وتبصلي بكل فخر في الدنيا وتقول بكل ثقة
ماما، إنتِ بطلة حياتي.
الناس اللي كانوا بيضحكوا عليا ماكانوش يعرفوا أنا مين. مايعرفوش تاريخي، مايعرفوش كم دفعت عشان تشوفها في المكان ده. ويمكن بعد كل السنين دي... بنتي نفسها ماعادتش تعرفني. شافتني بس كأم قديمة، بسيطة، مفيش منها فايدة، حاجة تزعجها وتخجل منها.
هم شافوا أم كبيرة في السن مستعدة تستحمل أي إهانة، أي تجريح، وفي الآخر تسامح وتضحك وتقول دي بنتي وحبيبة قلبي.
لكنهم ماشفوش الست اللي قضت عشرات السنين وهي بتحوّل المستحيل لحاجة ممكنة. الست اللي

تم نسخ الرابط