امى اتطردت من بيتى حكايات ليان

لمحة نيوز

نفسياً بعد ما سقطتي، والدكتور قال حالتك النفسية متأثرة جداً. كنتِ بتعتبري نفسكِ حامل، وقلنا لو قلناكي الحقيقة، تموتي من الحزن. فأخذنا بنت أخي، وقلنا إنها بنتنا، عشان تعوضي اللي فقدتيه.
تعوضني؟ قلتله ودموعي بتنزل بغزارة اتعوضوا حياتي بسرقة حقيقتي؟ خليتوني أعيش كذبة طول الوقت؟ وطردتوا أمي عشان ما تكتشف؟ ليه بالذات أمي؟
حماتي قالت بصراحة
لأن أمك بتعرف تفاصيل دقيقة في الوراثة والعيلة، وأصلها من قرية تانية، وأخاف تتساءل ليه البنت شبه أهلنا أكتر منكِ، أو لون العينين مختلف، أو فصيلة الدم. كنتِ هتكتشفي الحقيقة قدامها قبل ما نكون مستعدين. فكان لازم تبعد عنكِ لحد ما تهدأي وتتقبلي الوضع.
كلامها كان منطقيًا في قسوته، لكن الألم كان أضعاف أضعاف. قعدت على حافة السرير والورقة لسه في إيدي، وبصيت للبنت النايمة اللي كنت بحبها من كل قلبي، اللي كنتِ أعتبرها روحي وجزء مني. وهي فعلاً جزء من عائلتهم، بنت أخو أحمد، ابنة عمها، لكنها مش بنتي. وابنتي الحقيقية... ماتت ولم أراها قط.
المشكلة الأكبر كانت في الحب اللي نبت في قلبي لتلك الطفلة. لما عرفت الحقيقة، حبها ما قلش، بل زاد وأصبح ألمًا مضاعفًا. هي اليتيمة اللي فقدت أمها وأبوها، واللي اتعملت بيها كجزء من خطة كذب.
مرت أيام وأنا بين الحزن والصدمة والارتباك. كنت أجلس بجانب سريرها لساعات، أنظر إليها وأبكي. أحمد كان يحاول يعتذر ويقول إنه فعل حبًا بي، وأنه خاف عليّ. حماتي تغيرت معاملتها لي قليلًا، بقت أكثر هدوءًا، وكأنها شعرت بذنبها، لكن الكذبة كانت كبيرة جدًا لكي تُنسى بمجرد اعتذار.
في ليلة من الليالي، سمعت دق الباب. فتحت، ولقيت أمي واقفة قدامي، ومعاها كيس أكل. أول ما شافتني، قالت بقلق
يا حبيبتي.. كلمتني الجارة وقالتلي إنكِ تعبانة ومش بتاكلين. جيت أطمن عليكِ مهما حصل.
ما قدرتش أتمالك نفسي، رميت في حضنها وقلتلها كل حاجة من أول لآخر، من السقوط في الشهر الخامس، الكذبة، البنت، السر، طردها عشان ما تكتشف الحقيقة. سكتت أمي وسمعتني للآخر، ولم تقاطعني بكلمة واحدة. ولما خلصت، مسحت دموعي وقالتلي بصوتها الحنون القوي
يا بنتي.. اللي عملوه غلط، غلط بكل معنى الكلمة. خدوا قرار مصيري بدالك، وحرموكِ من الحقيقة، وحرموا البنت من تعرف أصلها في وقتها. بس عندي سؤال مهم تسأليه لنفسكِ دلوقتي
هل حبكِ للبنت دي مرتبط بإنها بنتكِ بالدم؟ ولا إنها طفلة محتاجة حب وأم، وإنكِ عشتِ تجربة الأمومة معاها بكل صدق ومشاعركِ حقيقية؟
سألت نفسي السؤال ده كتير الأيام اللي جت. ووجدت الإجابة واضحة ومؤلمة مش مهم أصلها، هي دخلت قلبي وما خرجتش. وأنا لازم أكون أمها الحقيقية بالفعل، مش بالاسم فقط.
في الصباح التالي، جمعتهم في الصالة، أمي كانت معايا عشان أكون قوية. قلت لهم بصوت واثق مهزوز
الحقيقة اتكشفت. والكذبة خلاص انتهت. عندي شروط عشان أكمل في البيت ده.
نظروا لي بترقب. قلت
أولًا مفيش سر تاني. كل الناس اللي لهم حق يعرفوا الحقيقة، والبنت لما تكبر تعرف أصلها. تانيًا أمي تدخل وتخرج بكل حرية، مفيش حد يمنعها ولا يطردها. ثالثًا البنت اسمها اللي اتفقنا عليه سما، واسم عائلتها زي ما هي، بس لازم نكتب اسم أمها وأبوها الحقيقيين في ورقة رسمية، ونعوض الورقة دي بورقة صحيحة. ورابعًا وأهم حاجة أنا هربّيها، وسأكون أمها، بس بصدق مش بكذب.
حماتي دموعها نزلت أول مرة شفتها تبكي، وقالت
أنا موافقة. عملت كده خوفًا على ولدي وعليكيِ، وعرفت إن الغلط كان أكبر مني. سامحيني يا ندى.
أحمد قرب مني وقبل إيدي وقال
وأنا كمان أستاهل العقاب. حطيت رأسي في الرمال واتبعت رأي أمي من غير ما أفكر فيكِ ولا في حقكِ تعرفي الحقيقة. من اليوم، أنا معاكيِ في كل حاجة.
مرت السنين، وكبرت سما، وبقت بنت ذكية وقوية. أخبرناها الحقيقة في الوقت المناسب، وكانت صغيرة تفهم بالبطء، لكنها عرفت إن عندها أبوين طيبين رحلوا، وإن أنا وأحمد وأمها جدتها وأمها الجديدة، كلنا نحبها بكل قلبنا.
أمي كانت تقضي معانا أيام كتير، وعلاقتها بحماتي تحولت من خصومة لصداقة حقيقية، لما كل الحواجز والكذبات اختفت.
بقيت أنا وأحمد نكمل حياتنا معًا، والحب بينا رجع أقوى، لكنه حب ناضج مر بمرارة الصدق وتعثر الطريق. عرفت إن الزواج مش بس فرحة وأيام حلوة، بل هو ثقة وصدق وأمانة. والسر اللي كانوا بيخبيوه عني، لم يكن سرًا يخص البنت وحدها، بل كان اختبار لقلبي وثقتي بنفسي وبمن حولي.
وفي كل ليلة قبل ما أنام، أجلس بجانب سما اللي بقت في المدرسة، أنظر إليها وهي نايمة، وأشكر ربنا على كل شيءعلى اللي فقدته واللي وجدته، على الصدق اللي أتأخر لكنه جاء، وعلى أمي اللي كانت النور اللي ما انطفأش أبدًا في أحلك الأيام.
الحياة ما بتقف عند حد، والصبر مهما طال بيجيب نتيجة، والحق مهما اتخبى بيظهر في يوم من الأيام. والأمومة مش دم بس، إنها حب ورعاية وقلوب تتصل ببعضها مهما كانت الأسباب.

تم نسخ الرابط