حناتى منعت وادى من اكل البيت حكايات ليان
المحتويات
في الشرفة وحيد. نزلت عنده، وقعدت بعيدًا عنه شوية عشان ما يندد.
عايزة أتكلم معاك دقيقة واحدة بس قلت بصوت هادئ. وبعدين إنت حر في قرارك.
قلتي إيه؟ رد بصوت تعبان من غير ما يلفت لي.
أمك بتقول إنني خاينة وببعت فلوسك لحد تاني. وأنا قلتلك كتير إن الكلام ده كذب، وأنت مش مصدقني. بس أنا دلوقتي شفت أشياء وسمعت كلام بيقول غير ده تمامًا.
حكيتله كل شيء كلامها في التليفون، الأوراق اللي بتعدّها، كلمة القرض والقلق اللي عليها كل يوم. سمعني بصمت، وببطء بدأت ملامح وجهه تتغير، وظهر عليه الارتباك.
أنتِ متأكدة؟ سألني بصوت خافت.
أنا متأكدة إن وراها سر يا راجل. وإنها لما كشفتني وقالت عليّ كلام، كانت بتستخبي ورايا عشان تغطي على نقص الفلوس اللي بتدفعها هي لحد تاني. السؤال ليه؟ ومنين جات القرض؟ وكم المبلغ؟
سكتنا فترة طويلة. ثم قام وقال
تعالي معايا.
دخلنا البيت، وذهبنا معًا لباب أوضة حماتي. خبط جوزي بخطوة قوية
يا أمي، استيقظي. عايزك في كلام ضروري.
فتحت الباب بعد دقائق وهي بتبدو مرتبكة
فيه إيه؟ حصل حاجة؟
تعالي اجلسي قال جوزي بنبرة لم أسمعها منه من زمان نبرة حزم وثبات. قاعدين ننتظرك في الصالة.
جلست وهي تنظر لنا بقلق، وتحاول تقرأ في وجوهنا إيه اللي حصل. جوزي بدأ مباشرة
أنا سمعت كل حاجة. سمعتك وأنتِ بتتكلمي في التليفون، وسمعتك وأنتِ بتتكلمي عن قرض وعن فلوس بتدفعيها. ومراتي شافتك بتعدّي الأوراق والمظاريف. دلوقتي قولي لي الحقيقة. إيه اللي بيحصل؟ وإن لم تقولي الحقيقة، أنا هروح بنفسي أسأل وأبحث لحد ما أعرف.
اتلون وجهها، وبدأت تترعرع
الكلام ده غلط... هي بتقول عليّ كدب عشان تبرر نفسها!
كفاية كذب! صرخ بصوت هز المكان. أنا مش صغير، وأنا شفت التغير في الفلوس من زمان بس كنت ساكت عشان مصدقك! قولي لي الحقيقة دلوقتي، قبل ما أخسر كل ثقة ليكي!
سكتت، وبدأت دموعها تنزل ببطء. نظرت لنا نظرة يأس، ثم انهارت على الكنبة وبدأت تبكي بصوت عالٍ
يا ولدي... سامحني... والله ما كان قصدي أضرك... كنت فاكرة هقدر أعالج الموضوع لوحدي...
سكتت تتنهد بحرقة، ثم بدأت تحكي الحقيقة كاملة، ببطء وبصوت مكسور
من سنتين ونص، جالي خبر من أخوك اللي يسافر في الخارج اللي أنت ما كنتش تعرف عنه حاجة من زمان. كان في ورطة كبيرة، مديون بمبلغ كبير، وهددوه لو ما دفعش يخلصوا عليه. اتصل بي هو وحده، لأنك كنت دائمًا تقول إنه سلك طريق غلط ومش عايز تتعامل معاه. وكنت خايفة عليك، خايفة أعرفك لأنك كنت هتتألم وتتعب وتحاول تدفع كل حاجة لوحدك ومرتبك مش بيكفي. فقلت في نفسي أنا أتصرف، وأدبر الموضوع، ونخلصه من غير ما تعرف، وتفضل أنت مرتاح.
سكتت وتمسحت دموعها
ما كان معايا فلوس، فأخذت قرضًا بضمان الشقة اللي كانت باسمي وباسم أبوك. وقعت العقد من غير ما تقرأ كويس، وطلعت الفوائد جامدة جدًا. كل شهر المبلغ بيكبر بدل ما يصغر. كل ما أدفع قسط، يفضل الباقي زي ما هو. وكل ما كنت أطلب من أخوك يساعدني، ألاقيه مش عنده، أو ماشي الحال عليه. وصلت لمرحلة ما عدتش قادرة أدفع وحدي. فبدأت آخذ من مصاريف البيت شوية شوية، أقلل الأكل، أمنع الحاجات، وأقول لنفسي فترة وتعدي. ولما لاحظت إنك بتشك في نقص الفلوس، خفت... خفت تعرف الحقيقة وتعرف إنني خاطرت بكل حاجة عندك، ببيتك ومستقبلك عشان أخوك اللي أنت ما تحبهوش. فقلت لنفسي لما ألاقي مبرر جاهز، أقول إن مراتك هي اللي بتاخد الفلوس. هتفضل بينكم مشكلة، وأنا أرتاح شوية من السؤال.
بكت بحرقة وقالت
وما كنتش عايزة أمنع العيال من الأكل يا بنتي... والله ما كان قلبي طاوعني، بس كنت مضطرة أقلل كل حاجة عشان أقدر أجمع القسط الشهري. كل يوم كنت أنام وأنا عايزة أبكي من الندم، بس كنت خايفة أقول الحقيقة. خفت أخسر ولدي، وخفت أهدم البيت ده بيدي. واللي عملته فيكِ كان غلط، كبير جدًا، وأنا آسفة... سامحوني.
ساد صمت طويل في الغرفة. أنا مش عارفة أصدق اللي سمعته. كل القسوة، كل الكدب، كل الألم اللي عشته، كان بسبب خوفها وحبها الزائد لولدها حب جعلها تختار الطريق الغلط من الأول للآخر. جوزي كان مصدوم، واضع يديه على رأسه كأنه مش قادر يستوعب الحكاية كلها.
يعني كل ده حصل وأنا ما أعرفش؟ قال بصوت مهتز. وأنتِ خاطرتِ بالشقة وبمستقبل ولادي عشان ما أخبرني؟ ما تظنيش أنا أستاهل أكون شريكك في المصيبة قبل ما تكبّر؟
كنت خايفة يا ولدي... كنت خايفة تكرهني قالت وهي تمسك يده.
أكرهك؟ أنا حزين عليكِ! الحمل ده كان يكفينا جميعًا، وكنّا نحله مع بعض! بدل ما تكبريه لحد ما وصلنا لهنا! رد عليها بوجع.
قام جوزي ومشى في الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم وقف قدامنا
الحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما يتأخر أكتر. الغلط كان منك يا أمي كبير، والكلام اللي قلتوه على مراتتي كان يدمي القلب، وحرام عليكِ. بس ما ينفعش نندم دلوقتي. المهم نعرف نعالج اللي وقع.
التفت لي
وأنتِ... سامحيني. أنا صدقت كلامها من غير ما أسألك أو أتأكد. أنا كنت أعمى، وقلبي
متابعة القراءة