زعيم المافيا
فيها درس ما ينسوهش.
بدأت تجهز نفسها بهدوء تام. ما لبستش حاجة مبالغ فيها ولا فاضحة. عرفت تمامًا إزاي تكون أنيقة وراقية وفي نفس الوقت تخلّي كل عين تتثبت عليها وما تقدرش تشيحها. اختارت فستانًا بسيط من القماش الحريري اللون العنابي الغامق، طويل حتى الركبة، بأكمام طويلة، وقصّته بسيطة لكنه بيلامس جسمها بأناقة وكرامة. شالت الشعر اللي كانت دايما مربوطاه، وتركته ينساب على كتفيها بتموجات طبيعية ناعمة، مش بتاع شعراء ولا مبالغ فيه. حطت مكياج خفيف جدًا بس يبرز ملامحها، ولبست حذاءً جلديًا أسود أنيقًا بكعب معقول. وأهم حاجة... رجعت النضارة الطبية وحطتها في الدرج. خلّت وشها يظهر كله بلا حجاب.
لما وقفت قدام المرآة أخيرًا، عرفت إنها كويسة. مش عشان تفتن، بس عشان تظهر لهم إن اللي كانوا شايفوه مجرد قشرة.
الساعة تمانية ونص بالظبط، رن جرس الباب. نزلت، وركبت العربية السودا الفارهة اللي بتستناها. السواق اتلمع لما شافها، وفتح لها الباب باحترام لم يكن عليه من قبل. طول الطريق ما تكلمتش، قاعدة شايفة الشوارع اللي ماشية قدامها، ودماغها هادية تمامًا.
وصلوا لفيلا نادر عزام، فيلا ضخمة بحديقة كبيرة، الأنوار مضيئة، وعربيات كتير واقفة برا. نزلت من العربية، مشت بخطوات واثقة ثابتة، مش بطيئة ولا سريعة. البوابة الكبيرة اتفتحت قدامها، والخادم اللي واقف استغرب أول ما شافها، وبعدين سألها اسمها، ودخلها.
الصالة الكبيرة اللي كانوا مجتمعين فيها كانت مليانة ناس رجال أعمال، سيدات أنيقات، الصوت عالي شوية، الضحك، وأصوات الكؤوس وهي بتتلامس. وفي نصهم، على كنبة كبيرة، كان سليم مع عمر ونادر وفارس، وكلهم بيتكلموا ويضحكوا.
سمعوا صوت الباب وهو يتقفل وراها، وكلهم التفتوا شويه عشان يشوفوا مين اللي دخل.
وهنا سكتوا.
فجأة، بلا مقدمات، الصوت كله اختفى. الضحك انقطع في منتصفه. حتى اللي كانوا بيتكلموا وقفوا وبصوا.
سليم المنشاوي كان بيلف راسه عشان يكمل كلامه مع نادر، وبعدين عينيه وقعت عليها.
اتخرس.
حرفيًا، مقدرش ينطق ولا كلمة واحدة. فمه فتح شويه وبعدين اتقفل تاني، عينيه وسعت، وكل العضلات في وشه تجمدت. اللي شايفه ده مش مريم اللي يعرفها. مش اللي كل يوم بيشوفها قاعدة ورا مكتبها بالنضارة والملفات. دي بنت تانية تمامًا واثقة، أنيقة، وشها مشرق، والكرامة بتتنزل معاها وهي تمشي. مشت ببطء وثبات ناحيتهم، وعيونها بتقابل عينيه مباشرة بلا خوف ولا تردد.
عمر اللي كان بينادي عليها يضحك، فمه اتفتح وفضل مفتوح. نادر مسك الكوب اللي في إيده لدرجة إنه أصابعه بيضّت. وفارس الصامت حتى هو، رمش بعينيه مرتين كأنه مش مصدق اللي بيشوفه.
مريم وصلت لحد ما هم قاعدين، وقفت بسلام، وبصت لسليم بكل هدوء وقالت بصوتها الهادي المعهود
مساء الخير يا سليم بيه. وصلت في الموعد تمامًا زي ما اتفقنا.
سليم ردّ ببطء، وصوته كان أثقل من العادة، كأنه بيحاول يخرج من صدمة كبيرة
مريم؟
أيوه. آسفة لو تأخرت دقيقة، الطريق كان زحمة شوية.
قالت كده وبصت للباقين بابتسامة خفيفة وراقية، سلمت باحترام، وقعدت في الكنبة الفاضلة بجانب سليم بهدوء تام.
الليلة كلها اتغيرت في اللحظة دي. الناس اللي كانوا مستنيين يضحكوا عليها، بدأوا يتحولوا للي يطلبوا يتعرفوا عليها. سيدات الحضارة كانوا يسألوها عن ملابسها، ورجال الأعمال كانوا يتكلموا معاها في مواضيع مختلفة وهي تجاوب بذكاء واتزان، كلامها رصين، رأيها واضح، وبتعرف تتكلم في أي حاجة يفتحوا فيها الموضوع. ما كانتش مجرد سكرتيرة بترد على الأسئلة كانت إنسانة كاملة، عندها رأي وعقل وثقة في النفس ما حدش توقعها فيها.
سليم ما كانش يقدر يبعد عينيه عنها طول الليلة. كان يشوفها وهي بتتكلم، تضحك بابتسامة حلوة ما شافهااش من قبل، تتعامل مع الكل بذكاء ولباقة تخلّي اللي قدامها يحس إنه مهم. واكتشف إنه طول التلات سنين دول ما شافهااش حقًا. كان شايف بس اللي هي عايزاه يشوفه الواجهة البسيطة الهادية وما حاولش يسأل نفسه مين هي حقًا.
وفي نص الليل، لما الليلة قربت تخلص والناس بدأت تمشي، بقت مريم وهو لوحدهم شوية في زاوية هادية. بص لها سليم بندم ودهشة، وقال بصوت منخفض
أنا آسف يا مريم. كنا... كنا عايزين نضحك عليكِ. دعوتكِ هنا عشان الموقف يضحكنا. ما كنتش أعرف إنكِ...
كمل وهو بيتردد
ما كنتش أعرف إنكِ دي.
مريم ابتسمت بابتسامة حكيمة، ونظرت له بعينيه مباشرة
عارفة. سمعتكم برا الباب.
وأنتِ جيتي مع كده؟
جيت عشان أقول لكم حاجة واحدة بس. كل إنسان له وجهين يا سليم بيه. الوجه اللي بتشوفه كل يوم، والوجه التاني اللي ما بيظهرهش إلا لمن يريد. وغالبًا الوجه التاني هو اللي حقيقي.
سكتت شوية وبعدين كملت بهدوء
ما يصحش نحكم على حد من أول نظرة، ولا نستخف بحد مهما كان بسيط. لأنك مش عارف إيه اللي جواه.
سليم خفض راسه شويه، الكلام دخل في قلبه.
صدقتي. وندمان.
مفيش داعي للندم. الليلة خلصت، وكل واحد عرف مكانته.
لما رجعها للبيت، وقفت قدام باب شقتها، وقالت له قبل ما تصعد
تصبح على خير يا سليم بيه. من بكره، أنا راجعة سكرتيرتك العادية. النضارة والملفات هترجع تاني.
بصلها سليم بابتسامة مختلفة، أعمق وأصدق
وأنا مستنى أشوفكِ. بأي شكل.
دخلت وقفلت الباب، وسليم نزل للسيارة وراجع بيته، وكل حاجة في حياته اتغيرت. الليلة اللي بدأت هزار وانتهت بدرس كبير، وعرف إن أقوى الناس مش اللي بصوتهم عالي ولا اللي عندهم فلوس ونفوذ. أقوى الناس اللي يقدروا يتحملوا الاستخفاف بكرامة ويقابلوها بكرامة أكتر.
ومن يومها، ما حدش في الشركة كلها ولا من اللي حول سليم المنشاوي تجرأ يضحك على مريم الشاذلي ولا يستخف بيها. لأنهم عرفوا الحقيقة إن الهدوء اللي فيها مش ضعف، وإن البساطة ما تعنيش قلة قيمة. وإن ورا كل شخص وجه تاني، وسرّ، وقوة ممكن تغير كل حاجة.
والعشاء اللي كان مفروض يكون مجرد نكتة، اتحول لليلة ما حدش منهم هينساها طول عمره.