زعيم المافيا

لمحة نيوز

ضحكته بكمّه، خايف يسمعه. سليم بص للراجل بنظرة واحدة بس، والراجل مشى كأنه اختفى من المكان في لحظة. أما مريم فما بالتهاش، رجعت بصت للشاشة كأن ما حصلش حاجة خالص.
دخل سليم مكتبه وهو بيهز راسه بابتسامة خفيفة ما حدش بيشوفها. مريم كانت الشخص الوحيد تقريبًا في الشركة الكبيرة دي اللي مبيخافش منه بالطريقة اللي باقي الناس بتخاف. مش لأنها بطلة أو شجاعة بشكل خارق. بالعكس، هي كانت هادية جدًا، صوتها منخفض، مبتحبش المشاكل أبدًا، وتهرب من أي صوت عالي كأنه نار. لكنها كانت عملية، منطقية، وبتتعامل معاه كمدير وبس بلا تملق، بلا خوف مبالغ فيه، وبلا محاولة تقرب منه.
اشتغلت معاه تلات سنين كاملة. وفي التلات سنين دول، عمرها ما سألته سؤال شخصي واحد. عمرها ما قالت له كلمة حلوة عشان تلفت نظره. عمرها ما اهتمت بالشائعات الكتير اللي بتتقال عنه عن الناس اللي اختفت، عن الصفقات المظلمة، عن القوة اللي ما حدش يقدر يقف في قدامه. بالنسبة لها، سليم المنشاوي مجرد مديرها اللي بتشتغل عنده وتاخد مرتبها آخر الشهر. وده بالذات اللي ريّح باله وخلّيها تفضل معاه كل المدة دي.
لحد الليلة دي.
بعد العصر، والشمس بدأت تغرب وتلون سماء القاهرة بلون البرتقال، كان سليم قاعد في مكتبه الكبير الواسع، اللي نوافذه تمتد من الأرض للسقف وتطل على المدينة. معاه أقرب تلاتة رجال ليه عمر السيوفي، صاحبه من أيام الجامعة واللي ما يفارقهش، وفارس، الراجل القوي الصامت اللي مسؤول عن أمنه وثقته فيه عمياء، ونادر عزام، شريكه في كتير من الصفقات وصاحب الفيلا الكبيرة في التجمع. كانوا بيتكلموا عن العشاء اللي هيتعمل بالليل في فيلا نادر، اجتماع صغير لجمعتهم المعتادة، وفيه ناس تانيين هيجوا كمان.
نادر قال وهو بيملأ كوبه وبيضحك بخفة
بالمناسبة يا سليم، إحنا كلنا جايين بحد معانا. متجيش لوحدك زي كل مرة تقعد في الزاوية وتشرب وتسكت.
سليم رفع حاجبه العريض وبصله
وأنا هجيب مين؟ مفيش حد معايا أجيبه.
عمر ضحك وخبط كف بكف
هات مريم.
سليم بصله ثانيتين، وبعدين انفجر ضحك بصوت عالي
مريم؟! أنت بتتكلم جد؟
آه والله جد، ليه لأ؟
نادر دخل معاهم في الضحك، وعينيه لمعانة بالمرح
فكرة ممتازة والله! عايز أشوفها بره جدران مكتبك. هي أصلًا بتعرف تتكلم في حاجة غير الأرقام والإكسل ومواعيد الاجتماعات؟ ولا لسه لما تيجي تقعد تفتح ملف وتكتب؟
فارس ابتسم بهدوء وهو ساكت، بس نظراته كانت متفهمة للهزار بتاعهم.
عمر كمل وهو بيستمتع بالفكرة أكتر
تخيل معايا بقى، تيجي لابسة اللبس الوحيد اللي نعرفه، بالنضارة الكبيرة دي، وشعرها مربوط، وتقعد بينا كأنها في مكتبها. والله الموقف هيكون مضحك لآخر درجة.
سليم سند ضهره للكرسي الجلدي الكبير، وابتسامة المرح ما زالت على وشه. كان المفروض يرفض، يقول لهم كلام غريب، مالهش لزوم. لكن بدل كده، مد يده وضغط زر الإنتركم على مكتبه.
مريم؟
صوتها جاله فورًا، واضح وهادي كالعادة
أيوه يا فندم؟ في حاجة؟
ادخلي ليّا لو سمحتي.
بعد دقائق معدودة، فتحت الباب ودخلت، شايلة النوتة الصغيرة بتاعتها في إيدها، ونظرت لهم كلهم بهدوء.
خير يا سليم بيه؟ في حاجة عايزها؟
سليم قال بمنتهى الهدوء وكأنه بيسألها عن أقل حاجة في الدنيا
عندك حاجة الساعة 9 بالليل النهارده؟
استغربت، رفعت حاجبها الخفيف
النهارده بالذات؟
لأ، الخميس الجاي سنة ألفين وثلاثة وثلاثين. طبعا النهارده.
بصتله ببرود تام، ما تأثرتش بالكلام الساخر. فتحت النوتة بتاعتها وبدأت تقلب الصفحات.
لأ، النهارده معنديش أي ارتباطات.
تمام. عندنا عشا في بيت الأستاذ نادر. هتيجي معايا.
رفعت وشها ببطء، عينيها ورا النضارة بتوسع قليل
أنا؟ مع حضرتك؟
آه.
وليه بالظبط؟
نادر كح بقوة وهو بيحاول يخفي ضحكته اللي طالعة بالعافية، وعمر خبّط على فخده. سليم لمح كل ده، وعرف إنهم مستنيين يضحكوا عليها، لكنه كمل بثبات
عشا اجتماعي، ومعايا لازم حد يكون معايا. وانتِ متاحة.
مريم فضلت باصة له لحظات طويلة، كأنها بتحسب في دماغها، وبعدين سألت بجدية تامة
ده ضمن ساعات العمل الرسمية؟ يعني أحسبه في الراتب؟
هنا عمر انفجر في الضحك بصوت عالي لدرجة إنه مسك بطنه، وحتى سليم نفسه مقدرش يمسك ضحكته وضحك بصوت خفيف.
لأ يا مريم، مش هحسبهولك أوفر تايم. تعتبرها دعوة.
هزت كتفها ببساطة، وقفلت النوتة.
خلاص. تمام.
تمام إيه؟
هاجي. فين العنوان والساعة؟
الساعة تسعة في فيلا الأستاذ نادر في التجمع. السواق هيروح ياخدك من بيتك الساعة تمانية ونص.
تمام. مع السلامة.
لفتت وخرجت، وأول ما اتقفلت الباب وراها، نادر صرخ من الضحك
مستحيل! دي إنسانة غريبة أووي!
عمر كان ما زال بيضحك
أنا لازم أكون موجود من أول دقيقة لما تدخل، والله ما شفت حاجة أظرف من دي.
أما سليم فابتسم ورجع راسه لورا. كان شايف الموضوع مجرد هزار بريء، ليلة واحدة بتمروا بيها، يضحكوا شوية، ويمكن يكتشفوا إن سكرتيرته الملتزمة دي تعرف تقول جمل أكتر من الاجتماع الساعة كام و الملف جاهز. وبعدها كل واحد يرجع لحياته العادية، وما حدش يفتكر الموضوع تاني.
بس الحاجة الوحيدة اللي سليم ما كانش يعرفها أبدًا... إن مريم ما كانتش مشيّة بعيدًا لما سكرت الباب.
وقفت ثانيتين بالظبط برا الباب، ظهرها للحائط، وسمعت ضحكتهم العالية جوا. سمعت نادر وهو بيقول عايز أشوفها لما تيجي بالملفات، سمعت عمر وهو بيضحك وبيقول هتكون نكتة الليلة، وفهمت كل حاجة. فهمت إنهم دعوها عشان يضحكوا عليها. إنهم شايفوها بنت بسيطة تقليدية، ما تعرفش شيء برا المكتب، وهيخلوها موقف محرج يضحكوا عليه ويتمسكوا بيه فترة.
ما حستش بغضب ولا بدموع. وقفت بس، وشفت شفايفها بتتضام ببطء. وبعدين مشت بهدوء لمكتبها، قعدت، وبدأت تفكر.
طول السنين التلاتة دي، هي كانت تعرف كل حاجة عن سليم المنشاوي وعن اللي حوليه. كانت تشوف اللي بييجوا ويمشوا، تسمع الكلام اللي يتقال وهو مش حاسس، تسجل الملاحظات اللي ما حدش يخطر على باله يسجلها. هي مش مجرد بنت هادية قاعدة ورا نضارة. هي كانت ذكية، قوية، ودماغها بتشوف أكتر من اللي عينيه بتشوفه. وهم كلهم استخفوا بيها. وده غلطتهم الكبيرة.
رجعت بيتها في مدينة نصر، الشقة الصغيرة الهادية اللي بتعيش فيها لوحدها. دخلت، قفلت الباب، وخلت النوتة على الطاولة. خلّت النضارة تتشال وتحطها على الجنب، وراحت تنظر لنفسها في المرآة الطويلة. اللي كان شايفها طول الوقت مجرد سكرتيرة عادية، ما شافش الحقيقة. ما شاف إن وشها جميل بملامح حادة ورقيقة في نفس الوقت، وإن شعرها الطويل ده لونه بني ذهبي بيلمع لما الشمس تيجي عليه، وإن عينيها اللي بتخفيها ورا النضارة كانت أجمل ما فيها.
جلست تفكر طويلًا، وكل كلمة سمعتها برا الباب بتدور في دماغها. لما كانت صغيرة، كان جدها اللي رباها بيقول لها يا بنتي، لما الناس تستخف بيك، خليهم يندموا. مش بالصوت العالي ولا بالشجار. خليهم يندموا لأنهم ما عرفوش قيمتك من الأول. وهي اليوم هتعمل كده. مش عشان تنتقم، بس عشان ترد لهم الحق. الليلة مش هتكون ليلة ضحكهم عليها. الليلة هتكون ليلة يتعلموا
تم نسخ الرابط