بعد سنه من دفن جوزى

لمحة نيوز

والفلوس تفضل جاية.
ولما جت قضية الولد ده كان نقطة الخطر الأكبر. لأن الولد وريث، ولو كبر ممكن يطالب بحقوقه، أو كريم يرجع ويطالب بكل حاجة. فقالوا إن الولد مات، واتخلصوا منه بطريقة ما. والورقة اللي شفتها في بيت سعاد كانت تثبت إن الولد اتولد حي، وتم تسليمه لجهة معينة مقابل مبلغ كبير.
اللي قتلني في الموضوع ده، قلت وأنا بصوتي متهدج، إنها كانت جدة الولد. المفروض تحبه. المفروض تكون خايفة عليه. وتبيعه؟ ليه؟ عشان الفلوس؟
كريم سكت شويه، ثم قال بوجع
سعاد ما حبتش حد في حياتها غير نفسها يا هناء. حتى أنا كنت أداة عندها. أخدمها، أكون وسيلة لما تريد. ولما خافت إنني أضر مصلحتها، ضحت بيا من غير تردد. وابننا كان مجرد جزء من الصفقة.
في الأيام اللي جت، بدأنا نجمع الخيوط مع بعض. كريم عرف من مصدر قديم له إن الولد اتسلمه عيلة تعيش في الجيزة، اشتروه من طرف حاتم رشوان، وما يعرفوش أصله إيه. واتفقنا إننا نروح نعرف مكانهم، بس بحذر تام. كريم اتغير اسمه وملابسه، واتعامل مع ناس نثق فيهم بس. وأنا كنت أتابع سعاد من بعيد، أشوف حركاتها، مين اللي بيزورها، وإزاي بتتعامل.
واحد من الأيام، كنت واقفة بعيد عن بيتها، شفت حاتم رشوان نفسه نازل من عربية فخمة، وداخل البيت. قعدوا معاها ساعة ونص، ولما طلع، وش سعاد كان مرهق ومخضوض. عرفت حينها إنهم شايفين الخطر قرب، وإنهم عارفين إن هناك حد بيدور وراهم.
في ليلة من الليالي، جاتني رسالة على موبايلي من رقم مجهول إذا كنتِ تعرفي حاجة ما تعرفيهوش، اتركي الحال زي ما هو. مصلحتك في كده.
رديت عليهم من غير خوف مصلحتي ترجعلي ابني وراجلي. والحق هيرجع مهما طال الزمان.
من بعد الرسالة دي، عرفت إن المعركة ابتدت فعلاً. ما عادش فيه رجوع. إما نكسب ونرجع عيلتنا، أو نخسر ونسكت للأبد. وكل يوم كنت أقوى من اللي قبله. ما كنتش هناء الضعيفة اللي كانت تبكي على القبر بس. أنا أم، وأنا زوجة، ولازم أحارب عشان اللي ليا.
كريم كان جنبي في كل خطوة. كنا نكمل بعض. كل واحد فينا كان عنده جزء من الحقيقة، ولما جمعناها، اتضحت الصورة كاملة. واتفقنا على الخطة الأخيرة نجمع كل الأدلة، ونعطيها لقاضي نزيه عنده صلة بحد نثق فيه، ونطلب حماية رسمية قبل ما نعلن كل حاجة. ونطلب إذن بالبحث عن ابننا.
قبل ما ننفذ الخطة، قررت أروح لسعاد مرة أخيرة لوحدي. عايزة أسمع الكلام من فمها. دخلت بيتها من غير ما أطرق الباب، ولقيتها قاعدة في الصالة قدام صورة كريم اللي كانت معلقة على الحائط. لما شافتني، اترجعت
إزاي بتدخلي كده؟
قفت قدامها بثبات
جيت أسألك سؤال واحد بس. وجاوبيني بصدق مرة في حياتك. ابننا فين؟
وشها اصفر، وترددت
أنا قلتلك مات
لا، ما ماتش. وأنا عارفة. وأنا عارفة إنك بعتوه. باعتِ حفيدك عشان الفلوس. باعتِ ابنك عشان تبقي في أمان. ما خفتيش من ربنا يوم؟
قامت من مكانها بسرعة، وصوتها علا
أنا عملت كل ده عشان مصلحة الكل! كريم كان هيدمرنا كلنا! حاتم كان هيموته! وكنت هتبقي أنتِ واقفة في النص ومفيش حد يقف جنبك! عملت إيه غلط؟ أمنت المستقبل!
بالمستقبل اللي بنيتيه على دم الناس وفراقهم؟ قلت ببرود. المال ده هيروح ويروح، بس الذنب بيفضل معاكِ لحد يوم الدين. وكرم عايش. وعرفنا كل حاجة. والحق هيرجع.
لما سمعت كلمة كريم عايش، وقعت على الكنبة وراها، واتغير لون وشها كأنها شافت الموت. عرفت إن اللعبة خلصت. وإن الكذبة الكبيرة اللي عاشت عليها سنين بدأت تتفتت.
خرجت من بيتها وأنا حاسة بثقة ما حسستها من زمان. الحقيقة مؤلمة، بس ألمها أهون وأكرم من عيشة الكذب.
بعد أسبوع، سلمنا الأدلة كاملة للجهة اللي اتفقنا معاها. اتخذت الإجراءات بسرعة وسرية تامة. تم القبض على حاتم رشوان ومن معاه، واتفتح التحقيق في كل القضايا. وسعاد بقيت في بيتها تحت المراقبة، بانتظار التحقيق معها. ما حكمت عليها أحد غير ضميرها اللي بيدقها كل ليلة وهي قاعدة لوحدها.
والمفاجأة اللي غيّرت حياتنا من جديد بعد أسبوعين، وصلنا لابني. كان في عيلة طيبة، اشتروه وهم ما يعرفوش شيء عن الحكاية، ربوه بكل حب، ولما جالنا واخدينه، سلموه لنا بكل طيبة قلب ودموع في عينيه. اسمه كان معاهم يوسف. وعمره سنة وشهور. لما شفته أول مرة، قلبي اتقطع من الفرحة والدموع. شبه كريم بالظبط. نفس العينين، ونفس الابتسامة. حضنته وضممته لصدري، وحسيت إن كل الألم اللي مرّ بيا راح في اللحظة دي.
رجعنا بيتنا الجديد، مكان بعيد عن كل اللي حصل، وهناك بدأنا نعيش من جديد. كريم رجع لشغله بعد ما اتبرأ من كل التهم، وبدأت حياتنا تترتب شويه شويه. طبعًا ما نسيتنا اللي حصل. الجرح موجود، والأثر باقي. بس بقينا أقوى. عرفنا إن الناس مش كلهم زي ما نظهر، وإن الثقة دي حاجة غالية ما نديهاش لأحد بسهولة. وإن الحقيقة مهما طال الزمن لابد تطلع، ولو بعد حين.
سعاد حكم عليها بالسجن لمدة خمس سنوات لاشتراكها في الجريمة والتزوير والاتجار بالطفل. زرتها مرة واحدة في السجن. كانت وحيدة، شعرها شاب كله، وعينيه غارقة. قلت لها سامحتكِ عشان نفسي وعشان ابني. بس اللي عملتيه ما يتسامحش. وربنا فوق كل شيء. ما ردتش عليا، بس دموعها نزلت بصمت. وخرجت وعرفت إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
واللي حصل علمني حاجات كتير. علمني إن الحزن مش علامة على النهاية، وإن الصبر بيخلص لفرج قريب. وإن أقوى شيء في الدنيا مش الفلوس ولا السلطة بل الحب اللي بيجمع العيلة، والإرادة اللي بتخلينا نكمل مهما كان الوضع صعب. وإن اللي بيحارب عشان الحق، ما بيخسر أبدًا.
قاعدين أنا وكريم ويوسف في شرفة بيتنا الجديد، والليل هادي، ويوسف نايم بيننا، وكريم ماسك إيدي. باصة له وبقول في نفسي بعد كل ده، نحنا مع بعض. ده أهم حاجة في الدنيا. الباقي بيجي ويروح، بس الحب والصدق والحق دول اللي بيفضلوا.
وربنا يكفينا شر الكذب والمنافقين، ويحمي عيلتنا، ويخلي كل يوم أحلى من اللي فات.

تم نسخ الرابط