بعد سنه من دفن جوزى

لمحة نيوز

كأنه بيفتكر الأيام دي. والشركة كانت بتشتغل مع ناس من فوق، ناس ليهم سلطة ونفوذ، وناس ما حدش يقدر يقولهم لأ. كنت مدير المشروع الجديد، وكنت شايف حاجات غريبة من أول يوم. فلوس بتدخل وتخرج بلا سند، عقودات بتتعمل بلا مناقصات، وأرض بتتباع وتشترى بأسعار خرافية. كنت ساكت في الأول، لحد ما جالي واحد من المحاسبين وقالي إنه لقى اختلال ضخم في الحسابات، وإن الفلوس اللي اختفت تقدر تبنى مدن. وقالي إن اللي ورا الموضوع ده هو رجل أعمال كبير، قريب لعيلتي لحد ما وصلت لعلاقته بأمي.
رفعت راسي بسرعة حماتي؟ إنت بتقول إن أمك كانت معاهم؟
هز راسه بوجع أمي كانت من زمان علاقتها بهذا الرجل قديمة. أبويا مات وأنا صغيرة، وهي كانت محتاجة حد يقف جنبها، فقربت منه، وبقت تعمل معاه، وثقت فيه بكل شيء. ولما كبرت أنا، حطني في الشركة بتاعته عشان أكون تحت عينه وأخدمه. أنا ما عرفتش بالحقيقة غير لما كنت قربت أكشف كل حاجة. يوم الحادثة ما كان حادث يا هناء. كانو عايزين يخلصوا عليا.
حسيت ببرد يسري في جسمي كله يعني إيه؟
كنت راجع من المشروع متأخر، ولقيت عربية تانية بتقطع عليا الطريق، وبدأت تدفعني لحد ما خرجت بيا عن الطريق. العربية اتقلبت، والنار اشتعلت فيها بس أنا لحقت أخرج قبل ما تتفجر. كنت مصاب، ومش عارف أروح فين، ولقيت واحد من العمال اللي كان شغال معاياوكان شايف كل حاجةخدني واختفى بيا. هو اللي قاللي لو رجعت، هيموتوكي، وبعدين يقتلوا مراتك والبيبي اللي في بطنك عشان يسكتوك تمامًا. ده كان الخطر الحقيقي يا هناء. ما كانوش بس عايزين يموتوني كانو عايزين يمسحوا أي أثر لي، ولو عرفتي أنا عايش، كنتي هتبقي هدف لهم.
سكت شويه، ومسح عرقه اللي نزل على جبينه
أمي كانت تعرف كل حاجة. هي اللي اتفقت معاهم. قالولها ابنك هيفضل عايش بس يختفي، ونعطيك مبلغ محترم، ونضمن مستقبلك، وكل اللي عليكي إنك تقولي للكل إنه مات في الحادثة. وافقت. ليه؟ عشان كانت خايفة عليا؟ ولا عشان الفلوس؟ أنا مش عارف بس لما عرفت إنك حامل، خافت عليكِ أكترلا، خافت إنك تفضحهم، أو إنهم يأذوكي. فقعدت تسيطر على كل حاجة من أول يوم.
قلت بصوت مخنوق والجثمان اللي دفنوه؟ اللي قالولي إنت هو؟
واحد غريب. حد مات في الحادثة التانية نفس اليوم، جسمه مشابه لي، وهم أخذوه، وغطوا على ملامحه، وقالولي إنه أنا. ما خلوكي تشوفيه عشان ما تكتشفي الحقيقة. وكل اللي حصل بعد كده لما فقدتي ابننا
هنا صوت كريم اتقطع، ونزلت دمعة من عينيه
عرفت باللي حصل للبيبي من العامل اللي بيخبّيني. حاولت أتصل بكِ، أرسل رسايل، بس قالولي إن أمك قالت إنك رفضتي تسمعي أي حاجة، وإنك حاولتي تنتحري من الصدمة وإنهم خايفين عليكِ. صدقت الكلام ده، وكنت ممنوع أتحرك أو أتصل بحد، خوفًا على حياتك وحياتي. مرّت السنة دي وأنا عايش زي الأشباح، ما أقدرش أروح لمكان، ما أقدرش أكلم حد، وكل يوم بفكر فيكِ وفي ابننا لحد ما عرفتِ بنفسك إن الجثمان مش موجود، وإن أمك نقلته. عرفت إنك بدأتِ تشكي، وإن الحقيقة بدأت تطلع. فقلت لازم أكلمكِ قبل ما يوصلوا ليكي ويأذوكي.
قلت بقلق يعني لسه فيه خطر؟ دول لسه بيدوروا عليك؟ وعليا أنا كمان؟
أيوه، قال بجدية تامة. دول ناس ما عندهمش ضمير. عملوا كل حاجة عشان يخفوا جريمتهم وسرقتهم. وأنا لو ظهرت، هتتفضح كل حاجة، وهم مش هيسمحوا بده. عشان كده قلتلك متبلغيش الشرطةلأن فيهم ناس لهم علاقات بالداخل، وكل كلمة تقوليها هتوصل لهم قبل ما تخرج من فمك.
سكتنا شويه، وأنا بفكر في كل اللي حصل حماتي اللي كنت أعتبرها أمي، اللي كانت تزورني وتطبطب عليا وتقول لي اتحملي يا بنتي وهي كانت عارفة كل حاجة من الأول. هي اللي وافقت. هي اللي خدت البيت. وهي اللي قالتلي امشي من غير رحمة. وكل ده تحت ستار الحزن على ابنها.
وفجأة تذكرت الحاجة اللي لمحتها على الترابيزة في بيتها كريم أنا شفت ورقة في بيت أمك، عليها شعار مستشفى، ومكتوب فيها كلمة حديثي الولادة وهم قالولي إن ابني مات. قولي الحقيقة دلوقتي فين ابني؟
كريم اتجمد مكانه، ووشه اتغير لون، وبص لي بنظرة ما فهمتهاش في الأولنظرة أمل مختلطة بوجع خوف
أنا متأكد إنه عايش يا هناء. ما ماتش. هم قالولك إنه مات عشان يسيطروا عليكِ ويخلّوكي تيأسى. الورقة اللي شفتيها دليل. هم باعوه؟ أو سلموه لحد؟ أنا مش عارف بالظبط، بس أنا جمعت أدلة كتير خلال الفترة ديأسماء، تواريخ، أرقام حسابات. كل حاجة تثبت إنهم نصبوا علينا، وإن ابني في مكان ما، وعايش، ومحتاجنا نروح نجيبوه.
قمت من مكاني بقوة، وقلبي بيدق إذًا هنعمل إيه؟ مش هنقف ساكتين. لما نعرف الحقيقة كلها، نقدر نحمي نفسنا ونرجع حقنا ونرجع ابننا.
صح، قام كريم وقف جنبي، ومسك يدي بقوة. بس لازم نكون حذرين جدا. الخطوة الجاية لازم نعملها بذكاء، من غير ما حد يحس بنا. أول حاجة نجمع كل الأدلة اللي معايا ومعاكي، ونكمل الطريق للنهاية. ثاني حاجة نعرف بالظبط فين ابننا. وثالث حاجة نوصل الحقيقة للي يقدر يحمينا وياخد حقنا من غير ما يخبرهم.
خرجنا من المستشفى مع بعض، ومشينا في اتجاهات مختلفة عن الطريق اللي جيت منه، عشان نتأكد إن ما حدش متبعنا. اتفقنا على مكان نلتقي فيه بعد يومين، ونبدأ نرتب كل حاجة مع بعض. ورجعت لبيت أختي، ودخلت أوضتي، وقفلت الباب ورايا، وانهارت على السرير. سنة كاملة من الحزن والوحدة والخوف وطلعت كلها كدبة. جوزي حي. وابني ممكن يكون عايش كمان. والعدو اللي كنت أحاربه وأنا مش عارفة هو أمي التانية اللي كنت أثق فيها بكل قلبي.
مرّ اليومين دول ببطء رهيب. كل دقيقة كنت بشك في كل حاجة. كنت أفكر لو حماتي عملت كل ده، تقدر تعمل أي حاجة. تقدر تكذب، تسرق، تفرق بين أم وابنها، وتدّعي الحزن سنوات. وفكرت في العلاقة ديكيف كانت تضحك في وشي، وتحتضنني، وتعطيني النصايح، وقلبها أسود كده من جوا؟ الفلوس والسلطة يقدروا يغيروا الإنسان للدرجة دي؟
في اليوم المحدد، قابلت كريم في الشقة القديمة اللي كنا استأجرناها في أول زواجنامكان ما حدش يعرفه غيرنا، وشبابيكه تطلع على شارع جانبي هادي. كان جايب معاه حقيبة كبيرة مليانة أوراق، صور، تسجيلات، وكل ما جمعه طول السنة الفاتت. جلسنا جنب بعض على الأرض، وبدأنا نقرا مع بعض ورقة ورقة.
اتضحلي إن حماتي اسمها سعاد، وكانت شريكة فعلية في كل أعمال الراجل دهاسمه حاتم رشوان. هي اللي كانت تدير له العمليات من الخلف، وهي اللي كانت تقنع الناس وتوصل العقودات، ولها نسبة كبيرة من كل فلوس تيجي. ولما كريم قرر يكشفهم، خافت سعاد إن ابنها يفضحها ويخسر كل حاجة عملتها سنين طويلة. فاتفقت مع حاتم على الخطة كلها يختفي كريم، يعلنوا وفاته، ياخدوا البيت والأملاك، وتبقى هي في أمان،
تم نسخ الرابط