بعد سنه من دفن جوزى

لمحة نيوز

بعد سنة من دفن جوزي، رحت أغير الورد على قبره لكن عامل المقابر قال من غير ما يبصلي مفيش حد هنا. افتكرته بيهزر، لحد ما فتح الدفتر وشفت توقيع حماتي على تصريح نقل الجثمان. وقتها فهمت إني ماكنتش برثي راجل مات كنت عايشة في كذبة.
كان اسم جوزي كريم.
وكان عنده 36 سنة لما قالولي إنه مات في حادث على الطريق الصحراوي.
بقول قالولي
لأني عمري ما شفت جثته.
من أول يوم، التفاصيل دي كانت بتقتلني.
لكن حماتي كانت كل ما أسأل تقول
بلاش يا هناء المنظر كان صعب، وإنتِ حامل.
كنت في الشهر السابع.
وضغطي عالي.
وقلبي مكسور.
قالولي أبعد عن النعش.
وقالوا أفكر في البيبي.
البيبي
الكلمة دي لحد النهارده بتوجعني.
بعد أسبوعين من العزا
تعبت فجأة.
نزيف.
إسعاف.
مستشفى.
ولما فوقت
قالولي إن ابني مات.
ولا شوفته.
ولا حضنته.
ولا حتى ادوني تقرير واضح.
بس كيس فيه هدومي.
وكلمتين
البقاء لله.
في فبراير
دفنت جوزي.
وفي مارس
فقدت ابني.
وبعدها
حماتي طلبت مني أسيب البيت.
قالت
البيت كان باسم ابني.
ودلوقتي مابقاش ليكي مكان هنا.
خرجت.
وروحت أعيش عند أختي.
واشتغلت في مكتبة.
وكل يوم أحد
كنت أروح المقابر.
أحط ورد أبيض.
وأقعد أكلمه.
أحكيله عن حياتي.
وأزعقله أوقات.
وأقوله
سيبتني لوحدي وسيبتني مع أمك.
كنت عارفة طريق القبر من غير ما أبص.
لحد اليوم اللي وصلت فيه
ولقيت التراب متغير.
شاهدة القبر مكانها.
واسمه لسه موجود.
لكن الأرض
واضح إنها اتفتحت واتقفلت تاني.
روحت لعامل المقابر.
وقلت
هو فيه إيه؟
بص في الدفتر الكبير.
وسكت.
قلت
اتكلم.
قال بصوت واطي
يا مدام مفيش حد هنا.
ضحكت بعصبية.
وقلت
إزاي؟
القبر قدامي.
قال
القبر موجود
لكن الجثمان لأ.
حسيت رجلي مش شايلاني.
خدت الدفتر من إيده.
ولقيت قدامي
تصريح بنقل الجثمان.
والتوقيع
حماتي.
بعد أسبوعين بس من وفاة ابني.
جريت على إدارة المقابر.
ولقيت تصريح تاني.
مكتوب فيه
نقل الجثمان بسبب وجود مشكلة في تحديد الهوية.
وقفت مصدومة.
قلت
إزاي مشكلة في الهوية وهو اتدفن باسمه؟
الموظفة وشها اصفر.
وقالت
دي أول مرة أشوف حاجة زي دي.
صورت كل الأوراق.
ورحت بيت حماتي.
أول ما شافتني
مسكت فنجان القهوة بقوة.
قلت لها
فين كريم؟
قالت ببرود
كان ابني.
قلت
وكان جوزي.
طلعت صور التصريح.
وقلت
إنتِ نقلتي الجثمان.
ما أنكرتش.
قالت
أنا عملت اللي لازم يتعمل.
قلت
ليه مكتوب إن الهوية كانت لسه مش مؤكدة؟
اتوترت لأول مرة.
وقالت
أخطاء ورقية.
قلت
أنا ما شفتش جثته.
ولا شفت ابني.
إنتِ كنتِ مسيطرة على كل حاجة.
قربت مني.
وقالت بصوت كله تهديد
سيبي الماضي يندفن.
وقبل ما أمشي
لمحت ظرف على الترابيزة.
عليه شعار مستشفى خاص.
وكان باين منه كلمة واحدة
حديثي الولادة.
اتجمدت.
خرجت من البيت.
ورجعت أراجع كل الأوراق.
وفجأة
اكتشفت إن شهادة الوفاة فيها تفصيلة غريبة.
اللي اتعرف على الجثمان
ماكانش حد من العيلة.
كان موظف في شركة دفن.
أما خانة الوصف
فكان مكتوب فيها
تعذر رؤية الجثمان بسبب حالته.
قفلت الملف.
وحسيت إن كل اللي عشته كان كدبة.
الساعة كانت 317 الفجر
لما موبايلي رن.
رقم
كنت حافظاه عن ظهر قلب.
كريم.
اتجمدت.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب فيها سطر واحد
لو عايزة تعرفي الحقيقة متبلغيش الشرطة، وروحي بكرة الساعة 10 الصبح للمستشفى القديم اللي اتولد فيه ابننا لأنه مش كل اللي دفنتيه كان جوزك، ومش كل اللي قالولك إنه مات مات فعلًا.
كنت قاعدة على السرير، والرسالة لسه مفتوحة قدامي على شاشة الموبايل، والكلمات بتتكرر في دماغي زي صوت جرس مكتوم بيضرب في راسي لأنه مش كل اللي دفنتيه كان جوزك، ومش كل اللي قالولك إنه مات مات فعلًا.
الساعة كانت تلاتة ونص الفجر، والبيت هادي تمامًا، غير صوت تنفسي اللي كان عالي ومتقطع كأني جريت ميل كله. رجليا كانت ترتجف، ويدي اللي ماسكة الموبايل كانت بتترجف لدرجة إن الكلمات كانت بتتحرك قدامي كأنها عايزة تهرب. الرقم ده رقم كريم. نفس الرقم اللي كنت أتصل به كل يوم في الأول، ولقيت الرسالة الرقم اللي أتصلت به غير متاح مية مرة. نفس الرقم اللي كنت أرسل عليه رسايل وأقوله فيها ارجعلي وأعرف إنه مش هيقراها. وده بيجيني رسالة منه؟ بعد سنة كاملة؟
قلبي كان بيقفز من مكانه. قمت ومشيت لشباك الأوض، فتحتوه، ودخل عليا الهوا البارد اللي بيلمع بضوء القمر. الدنيا برة هادية، وما حدش حاسس بيا. حطيت راسي بين إيديا وفكرت أنا مجنونة؟ ده حلم؟ أنا نزلت عليا دماغي من الصدمات؟ لأ الرسالة كانت مكتوبة وموجودة. شفتها بعيني. قرأتها ألف مرة.
متبلغيش الشرطة ليه؟ لو كريم مات، ليه أقول لحد؟ ولو عايزني أعرف الحقيقة، ليه مش أروح وأقول للكل؟ ده أول شيء حط تحت أسناني. ليه شرط كده؟ يعني فيه حاجة ممنوعة، وفيه ناس لو عرفوا إني بدور هيعملوا حاجة؟
قعدت أعد الساعات واحدة واحدة. ما قدرتش أنام ولا دقيقة. كل شوية أشوف الساعة. أربعة خمسة ستة لما شفت الشمس بتطلع شوية شوية، حسيت بدني بتتغير. ما كنتش خايفة بس كنت حاسة إني واقفة على حافة حاجة كبيرة، وإن اللي رايحة ألقاه بعد كده هيغير كل حاجة في حياتي، سواء كانت حلوة أو مرّة.
حضرت نفسي من غير صوت. لبست ملابس عادية، معطف بسيط، وحطيت في حقيبة الصور اللي صورتها من أوراق المقابر، وشهادة الوفاة، وكل ورقة ليها علاقة بالموضوع. حطيت الموبايل في جيبي، وخرجت من بيت أختي من غير ما أصحى حد. كنت عايزة أروح لوحدي. ده حقيقي أنا اللي لازم أواجهها. أنا اللي اتخدعت سنة كاملة. أنا اللي فقدت ابني وبيتي وكل حاجة، وأنا مش عارفة ليه.
المستشفى القديم اللي اتولد فيه ابني مكانها في منطقة قديمة في وسط القاهرة، مبنىها قديم ولون أصفر باهت، أبوابها حديد سوداء، وريحتها من برة زي ريحة دواء ومطر قديم. وصلت هناك قبل الساعة بعشرين دقيقة. وقفت قدام البوابة وقلبي بيدق بسرعة. الساعة عشرة الصبح بالظبط لما مشيت لداخل.
المكان كان هادي شوية، أرضية بلاط باهت، وجدران فيها بقع زمن ورطوبة. كنت ماشية في الممر الطويل، وصوت خطواتي بيرتد ورايا كأن حد ماشي معايا. كل باب بيشوفني، وكل نافذة بتتفرج عليا. وصلت لآخر الممر، وهناك لقيت حد قاعد على كنبة خشبية قديمة، ظهره لي.
لما سمع خطواتي، لف ببطء.
وقفت مكاني ما قدرتش أتحرك.
وجهه وجه كريم. بس متغير. شعره شاب شويه، وعينيه فيها تعب عمره ما كان فيه قبل، ولحيته طويلة ومشذبة ببساطة. كان لابس لبس بسيط جدا، وكأنه خايف حد يشوفه. لما شافني، عينيه امتلأت دموع على طول، ويده اللي كانت على ركبته ارتجفت.
فتحت فمي عايزة أتكلم، ما طلعش صوت. بس قلت بصوت مبحوح
كريم؟
قام ببطء، خطوة واحدة نحوي، ثم توقف كأنه خايف أهرب أو أصرخ.
هناء يا حبيبتي هناء
الصوت صوته بالظبط. نفس النبرة، نفس الدفء اللي كنت بحبه من أول يوم شفته. ركضت عليه من غير تفكير، وحضنته بقوة كأني عايزة أتأكد إنه حقيقي، إنه لحم ودم ومش حلم. حضني هو التاني بقوة، وضمّني لصدره، وحسيت بصوت دقات قلبه تحت أيدي. حي. هو حي. كل ده كذب. السنة دي كلها كذبة.
بكيت بصوت عالي، وكنت بضربه على كتفه بضعف
ليه؟ ليه عملت فيا كده؟ ليه سبتني؟ ليه قلتولي ماتت؟
مسك وجهي بين إيديه، ومسح دموعي بإيديه اللي كانت ترتجف
أنا آسف والله ما كان بيدي. ما كنتش عايزك تعرفي عشانك وعشان ابننا. تعالي نقعد لازم أحكيكي كل حاجة. كل حاجة من الأول.
قعدنا جنب بعض على الكنبة الخشبية القديمة، والممر فاضي حوالينا، وصوتنا بس اللي مسموع. بدأ يحكيلي، وكل كلمة بيقولها كانت بتقطع قلبي أكتر وأكتر.

أنا كنت شغال في شركة مقاولات كبيرة، بدأ كريم وهو بيشوف للارض شويه

تم نسخ الرابط