وهما بيغسلوها

لمحة نيوز

هذا نقص فيتامين.. لا تبالغي. لم يأخذها أحد لطبيب، لم يسألها أحد كيف تشعر حقاً. حتى ابنها وابنتهااللذان أنجبتهما بعد سنوات من الصبركبرا وهما يرون أمهم تعيش في هذا الوضع، وتعلّما الصمت مثلها، لأن الكلام لا يُجدي شيئاً.
وفي الأشهر الأخيرة، قبل موتها، ساءت حالتها جداً. كانت تُعاني من ألمٍ لا يطاق، وكانت تقول بصوتٍ خافتٍ قلبي يؤلمني.. جسدي يؤلمني. لكنهم استمروا في تجاهلها، بل واتهموها بالكذب والتقاعس. حماتها قالت لها أنتِ كسولة.. تريدين الراحة فقط. زوجها قال النساء يمرضن لأتفه الأسباب. أخوه قال لو تعبتِ في عملٍ حقيقي لما شعرتِ بهذا الألم الوهمي.
وفي ليلةٍ من الليالي، صعدت روحها بهدوء.. كما عاشت بهدوء. لم يصرخ أحد، لم يبكِ أحد بصدق.. فقط دموعٌ شكلية، وكلماتٍ فارغة رحمها الله.. كانت امرأةً صبورة. لم يدركوا أن صبرها لم يكن صبر الإيمان.. بل كان صبر المقتول الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
وهنا توقفت العجوز، ونظرت إليهم بعينين دامعتين، وقالت بصوتٍ ارتجف من الحزن
هذا النمل الذي ترونه.. هو كل كلمةٍ قالتها فصُدّت، وكل دمعةٍ ذرفتها فجُفّت، وكل ألمٍ تحملته فازداد حتى ملأ جسدها كله. هو يخرج من جسدها الآن لأنها لم تحصل على حقها في الحياة.. فلا تُحرموها حقها في الموت.
صدم الحضور.. كل منهم بدأ يتذكر موقفاً مرّ به، كلمةً قالها، موقفاً سكت عنه. ابنها أحمد انهار باكياً وهو يصرخ سامحيني يا أمي.. سامحيني كنتُ أعرف وأصمتت. ابنتها منى سقطت على ركبتيها وهي تبكي بحرقة كنتِ تقولين لي دائماً الحق يُعطى ولا يُطلب.. ولم أعلم أنكِ أنتِ من كان يحتاج أن يُعطى حقه.
أما زوجها كمال، فكان واقفاً في الزاوية، وجهه شاحب كالورق، لا يستطيع أن يحرك ساكناً. تذكر كل مرةٍ رآها حزينة فتركها، كل مرةٍ سمعها تبكي في خفاء فغضّ الطرف، كل مرةٍ طلبت منه المساعدة فأعرض عنها. والآن.. هي هنا، والنمل يخرج من جسدها كأنه يُحصي كل ظلمةٍ ظلمها بها، كل يومٍ سلبه منها، كل فرحةٍ منعها منها.
حماتها سعاد حاولت أن تتكلم، أن تقول هذا كلام غير صحيح.. كانت تعيش معنا بكل راحة، لكن صوتها خافت عندما نظرت إلى الجسد.. رأت النمل يخرج بهدوء، وكأنه ينظر إليها هي بالذات. تذكرت كيف كانت تعاملها، كيف كانت تنقصها وتُهينها دائماً، وكيف كانت تقول لها لولا أنكِ زوجة ابني لما بقيتِ في بيتي يوماً واحداً. شعرت برعبٍ لم تشعر به من قبل.. رعب من الحقيقة التي كانت تُحاول إخفاءها طوال هذه السنين.
أخوه رضا انحدر على الحائط، يرتجف خوفاً وندماً. تذكر كيف كان يأخذ مالها ومال زوجها دون أن يرد، كيف كان يُحمّلها ما لا طاقة له به، وكيف كان يضحك عليها خلف ظهرها. والآن كل شيء عاد إليه.. كل سرٍّ دفنوه ظهر، كل صمتٍ فرضوه انكسر.
قالت العجوز بعد حين، بصوتٍ هادئٍ حازم
لن نغسلها الآن.. لن نكفنها حتى يُعرف كل شيء. جسدها يرفض أن يطهر قبل أن تتطهر قلوبكم من ظلمها. لا تظنوا أن الموت ينهي كل شيء.. الموت هو بداية الحقيقة.
وبدأت الحقائق تتكشف يوماً بعد يوم. ذهبوا بطبيب ليفحص سبب وفاتها، فتبين أنها كانت تعاني من مرضٍ يمكن علاجه بسهولة لو عُرف مبكراً، لكن الإهمال وسوء التغذية والضغط النفسي المستمر أدى إلى تفاقم الحالة حتى وصلت إلى مرحلةٍ لا رجعة فيها. لم تمت بأمر الله فحسب.. بل قُتلت بالإهمال، بكل معنى الكلمة.
عرف الجيران والحي بأسره القصة، وتحول البيت من بيت العزاء إلى بيت الندم والخزي. لم يبقَ أحدٌ يجهل ما كان يحدث خلف تلك الأبواب المغلقة. خرجت كل كلمةٍ كانت محبوسة، كل دمعةٍ كانت مخفية، كل حكايةٍ كانت ممنوعة.
ظل النمل يخرج من الجسد طوال تلك الأيام، لم يختفِ إلا عندما تحدث الجميع بصدق، عندما اعترف كل منهم بذنبه، عندما بكت العين التي لم تبكِ، ونطق اللسان الذي صمت طويلاً. اختفى النمل فجأة، كما ظهر، في اللحظة التي قال فيها زوجها بصوتٍ مسموعٍ للجميع أنا ظلمتها.. وأعتذر منها أمام الجميع.. لقد أخطأتُ خطأً لا يُغتفر.
عندها فقط.. هدأت ملامحها تماماً، وكأنها أخيراً وجدت السلام الذي حُرمت منه طوال حياتها. غُسّلت وكُفّنت، ودفنت بقلوبٍ مختلفة، لم تكن قلوب حزنٍ فقط.. بل قلوبٍ تعلمت درساً قاسياً أن القهر لا يُدفن مع أصحابه، وأن الصمت الطويل قد يخرج يوماً بصوتٍ لا يمكن إسكاته.
بعد رحيلها، تغير كل شيء في البيت. لم تعد حماتها تملك تلك السلطة التي كانت تتمتع بها، فقد سقطت هيبتها مع سقوط أسرارها. كمال عاش بقية حياته حزيناً نادماً، يزور قبرها كل جمعة، ويبكي كما لم يبكِ من قبل. رضا توقف عن التدخل في شؤون أخيه، وعاش حياةً بسيطةً بعيداً عنهم، يحمل ثقل ذنبه طوال الوقت.
أحمد ومنى تعلّما من والدتهما درساً لن ينساه أبداً أن الحق لا ينتظر، والعدالة وإن تأخرت فهي آتية لا محالة. تزوجا وبنيا أسرةً قائمة على الحب والاحترام، ولم يسمحا لأحدٍ أن يُعامل أحداً في بيتهما كما عُوملت والدتهما.
أما العجوز المغسلة، فقالت لهم في اليوم الثالث، قبل أن تغادرهم
تذكروا جيداً.. الأجساد قد تُدفن، لكن ما فُعل بها لا يُدفن أبداً. إن لم يُخرجوه في الدنيا.. أخرجته الدنيا نفسها، وإن لم يُخرجوه الدنيا.. فالآخرة خير وأبقى. زينب لم تكن تريد منكم شيئاً سوى أن تنظروا إليها كإنسانة.. لها قلب، لها ألم، لها حق. وحرمتم عليها حتى ذلك.. فكان لا بد أن يظهر حقها، ولو بعد موتها.
ظلت كلماتها ترنّ في آذانهم طوال السنين، وظلت قصتها تُروى في الحي جيلاً بعد جيل، كتحذيرٍ لكل من يظن أن الباب المغلق يخفي الحقيقة، وأن الصمت ينسى الجريمة.
وفي كل مرة يمرّ أهل البيت بقبرها، لا يقرأون الفاتحة فقط.. بل يقولون بصوتٍ خافتٍ سامحينا يا زينب.. سامحينا لأننا انتظرنا حتى رحلتِ لكي نعرف قيمتكِ.
وهكذا انتهت القصة.. ليس بموتها، بل بانتصارها. انتصارٍ جاء متأخراً، لكنه
جاء، ليقول لنا جميعاً إن القهر مهما طال.. لا بد أن يُكسر، وإن المظلوم وإن صمت طويلاً.. فإن جسده لن يصمت أبداً.

تم نسخ الرابط