وهما بيغسلوها

لمحة نيوز

وهما بيغسلوها جسمها كله بقي ينزل نمل .. 
كل ما يغسلوها ويخلصوا ويجوا يلبسوها الكفن يلاقوا في نمل... أحتاروا في أمرها والكل خاف ومشي من كثر النمل اللي ليظهر لحد ما جابوا مغسله عجوز اللي قالت حاجه صدمت الكل...
صلي على محمد واسمع مني...
وهمّا بيغسلوها كان الجسد ساكنا سكوناً يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة لأن الموت الذي يعرفونه عادة يترك علامته واضحة على الملامح أما هي فكانت ملامحها هادئة إلى حد جارح كأنها لم تمت بل توقفت فقط عن الحركة
وحين أُريق الماء للمرة الأولى انسدل على جلدها بلا مقاومة فظنوا أن الأمر سيمر عاديا كما مر مع غيرها لكن ما إن انحنت الأيدي لتتم الغُسل حتى بدأ النمل يظهر لا فجأة ولا بعنف بل ببطء منتظم نمل أسود صغير يخرج من تحت الجلد نفسه لا من الأرض ولا من الشقوق كأن الجسد صار طريقا مفتوحا لشيء كان محتجزا طويلًا
أرتفعت الهمسات ثم خفتت ثم تحولت إلى صمت ثقيل لأن النمل لم يكن عابرا بل كان يعود في كل مرة يغسلون فيها الجسد حتى إذا انتهوا ومدّوا الكفن خرج أكثر كأن الكفن يوقظه لا يخفيه وكأن البياض يستفزه فيفضح ما لم يفضحه الظلام فتراجعوا خطوة خطوة لا لأنهم خافوا من النمل بل لأنهم خافوا من المعنى الذي لا يعرفون اسمه
قالت إحداهن إنها علامة غضب وقالت أخرى إنه مس وقال ثالث إن الدفن هو الحل الوحيد لكن أحداً لم يقترب وكل من انسحب شعر بأن المكان لم يعد مكان غسل بل مكان اعتراف لم يكتمل وأن الجسد لا يطلب الطهارة بقدر ما يطلب الإنصات
ظل الجسد وحده على لوح الغسل والماء يقطر والنمل يظهر ثم يختفي ثم يعود كأنه يتنفس معها كأنه امتداد لشيء بداخلها لم يجد طريقه إلى الخارج إلا الآن وبعد وقت طويل جاءوا بالمغسلة العجوز امرأة أثقلها العمر لا الرعب وعيناها لا تندهشان لأنها رأتا وجوها كثيرة انتهت قبل أن يُسمح لها أن تقول ما يكفي
جلست أمام الجسد طويلًا دون أن تمسه وكأنها تقرأ ما لا يُرى ثم مدّت يدها ببطء ولمّا لامست الصدر لم يهرب النمل ولم يد بل استقر كأنه وجد من يفهمه فرفعت العجوز رأسها وقالت بصوت هادئ لا يحمل صدمة بل يقينا
هذا ليس نمل موت
نظروا إليها وكأن الكلمة وحدها أنقذتهم من الجنون فسألها أحدهم ماذا تعنين فقالت وهي ما زالت تنظر إلى الجسد.
هذا نمل ......
هذا ليس نمل موت.. هذا نمل القهر.
انطلقت الكلمة من فم العجوز بطيئة ثقيلة، كأن كل حرف منها يحمل وزن سنين طويلة، فسكت الجميع سكوناً تاماً، لا صوت يُسمع إلا صوت الماء المتساقط من حافة لوح الغسل، وهمس الريح الخفيف من خلف الشبابيك المغلقة. لم يفهم أحد معناها في البداية، لكن الكلمة استقرت في أعماق قلوبهم كحجر ثقيل أُلقي في بحر ساكن، فأثارت أمواجاً من الذكريات والشكوك التي كان كل منهم يخفيها في زاوية مظلمة من قلبه.
تقدمت العجوز خطوة أخرى، ولم تبتعد عيناها عن الجسد المستلقي أمامها، وكأنها ترى ما لا يراه غيرهاترى ما خبأته السنين وراء ملامحها الهادئة، ما دفنته الضغوط والصمت عميقاً داخل روحها حتى صار يخرج الآن، بهذا الشكل الغريب، كأن الأرض نفسها ترفض أن تُدفن الحقيقة معها.
اقتربوا يا بني، لا تخافوا قالت بصوتها الواثق الهادئ الذي يزيل الرعب شيئاً فشيئاً هذا النمل لم يخرج منها ليؤذيكم.. هو يخرج لأنها لم تجد في حياتها من يسمعها، ولم تجد من يُنصفها، فحتى بعد موتها.. جسدها يرفض أن يطمئن حتى يُعرف سر ما حدث لها.
تحركت الأيدي ببطء، واقتربوا منها، وكل عينٍ تترقب ما ستقوله، وكل قلبٍ يخفق بقلقٍ لا يوصف. بدأت العجوز تروي، وكأنها تقرأ كتاباً مفتوحاً أمامها، لا تخمين ولا ظن، بل يقينٍ كامل كأنها عاشت معها كل لحظة من تلك اللحظات المريرة التي مرت بها طوال سنوات زواجها.

بدأت القصة من حيث بدأت كل قصص القهر في بيوتنا.. بزواجٍ لم يكن باختيارها، بل كان اتفاقاً بين عائلتين. كانت زينب في الثامنة عشرة من عمرها، فتاة هادئة، طيبة القلب، لا تعرف من الحياة سوى الطاعة والصمت. تزوجت من كمال، رجلٍ أكبر منها بخمسة عشر عاماً، كان يُعرف في الحي بصلابته وقوته، لكن لا أحد يعرف ما خلف تلك الجدران، لا أحد يعرف ما يحدث خلف أبواب الغرفة المغلقة.
في البداية حاولت أن تكون الزوجة المثالية.. طاعت أمره، خدمت أمه، تحملت كل شيء بصمتٍ عميق. كانت تقول لنفسها هذا قدرى، هذا بيتى، وسأعيش هنا حتى أموت. لكن القدر لم يكن رحيماً بها، فكلما مرت السنين، ازدادت الأمور سوءاً. كانت حماتها سعاد امرأة قاسية، لا ترى فيها إلا خادمة اشتراها ابنها، لا حق لها ولا رأي. كانت تفرض عليها كل ما تريد، وتحرمها من أبسط حقوقها، حتى من زيارة أهلها.
وكان أخو زوجها رضا شريكاً في كل هذا، يغتنم فرصة وجودها في البيت ليطلب منها كل ما يريد، ويستغل طيبتها وصمتها لينتفع بها وبمال زوجها. وكلما اشتكت لزوجها، كان جوابه واحداً أمي في المقام الأول، وأخي ما طلب شيء خطأ.. أنتِ عليكِ فقط أن تطيعي وتصمتي.
صمتت زينب.. صمتت طوال عشرين عاماً. عشرون عاماً وهي تعيش في بيتٍ لا تشعر فيه بالأمان ولا بالحب. عشرون عاماً وهي تتحمل الإهانة والظلم والوحدة، لا أحد يسمعها، لا أحد يشعر بها. حتى أهلها توقفوا عن السؤال عنها، لأن كل مرة يزورونها كانوا يغادرون وقلوبهم مكسورة، وهي تطلب منهم ارجعوا ولا تقلقوا، أنا بخير. كذبت عليهم.. كذبت مراراً وتكراراً، لأنها لم تكن تريد أن تُحزنهم، ولم تكن تريد أن يُقال عنها فتاةٌ عاقةٌ تفرّق بين أهل زوجها.
مرت السنين، وبدأت صحتها تضعف شيئاً فشيئاً. كانت تعاني من آلامٍ في جسدها لا تُفسر، وكلما ساءت حالتها، قالوا لها هذا تعب من العمل..

تم نسخ الرابط