شفت ابنى
غلطانة، والله غلطانة، وندمت أشد الندم.
سكتت، والصمت عاد يسيطر على المكان. بصيت لكريم، وقلتله بصوت حزين وغاضب
ها؟ سمعت اللي سمعته؟ أنت السبب في كل ده! طمعك وتهورك وسرقتك لحق أمك ده اللي وصلها للحالة دي! ده اللي خلانا كنا هنخسر أغلى ما عندنا!
كريم ركع على ركبتيه قدام أمه، ومسك إيديها
يا أمي أنا آسف أنا كنت غبي، وطماع، ومش عارف قيمة اللي عندي بعت الأرض من وراكي عشان كنت فاكر إن المشروع هينجح وهجيبلك أضعافها، وكنت خايف تقوليلي لأ عشان كنتي رافضة المغامرة ولما خسرت، كنت خجلان أقولك الحقيقة، وكنت عايش في خوف وذنب كل يوم. ما كنتش عارف إن قلبك وصل للدرجة دي سامحيني يا أمي سامحيني يا رب
وبكى كريم كالطفل، وامه ضمته لصدرها، وبكت معاه. وأنا واقفة شايفة المشهد ده، قلبي كان بيتقطع. الغضب كان مالي قلبي، والخوف من اللي كان هيحصل لابني ما زال يهز كياني لكن في نفس الوقت، شفتهم نادمين، ومكسورين، وكل واحد منهم دفع تمن غلطه بطريقته.
الجزء الرابع القرار الصعب
بعد ما هدأوا شوية، قلت بصوت حازم مفيه مجال للنقاش
الحاجة نوال اللي عملتيه ده جريمة، والقانون بيعاقب عليها بشدة. الأدلة عندي، وأقدر أروح للشرطة دلوقتي وتبدأ التحقيقات، ووقتها الفضيحة هتعم العيلة كلها، وحياتك وحياة كريم هتتدمر، وياسين هيكبر ويعرف إن جدته حاولت تقتله، وإن أبوه كان السبب في ده كله.
سكتت لحظة، وكملت
بس أنا أم، وأهم حاجة عندي صحة ابني وسلامته النفسية. وأنا شايفة ندمانة بجد، وعارفة إنك ما كنتش إنتِ اللي عايزة كده لو ما الشيطان والغضب سيطروا عليك. وكريم أنت تثبت إنك تستحق الفرصة التانية.
بصت لكريم وعينيه في عينيها
أنا مش هبلغ عن حد. بشرط واحد إن كل حاجة تتغير من النهاردة. كريم، ترجع كل قرش سرقته من أمك، ولو بالتقسيط، وتقف جنبها وتعوضها عن كل اللي فات. وأنتِ يا حاجة نوال تقطعي أي فكرة شر من قلبك، وتتعاهدي إنك تحبي ياسين من كل قلبك، وتكوني له الجدة اللي تستحقها. وأي محاولة تانية لإيذاء أي حد في البيت مش هتردد لحظة واحدة أدي الأدلة للشرطة. فهمتوا؟
اتنهدت الحاجة نوال، وقبلت إيديّ
فهمت يا بنتي وكل كلمة قلتيها هعمل بيها. من النهاردة، حياتي هتتغير، وحفيدي هيكون أغلى حاجة عندي، وهعوضه عن كل حاجة.
كريم قام، ووقف قدامي بكل احترام وندم
سارة أنا عارف إنك ما تستاهليش اللي حصل، وإن غلطي كان كبير قوي. بس أوعدكِ، من النهاردة، هتكوني أول وأخر حد أسمع كلامه. هصلح كل غلط، وهبقى الأب والجوز اللي تستحقوه. شكرًا لإنك حفظتي سمعتنا، وشكرًا لإنك أنقذتي حياة ابني وربنا يجازيكي خير عني وعن أمي.
في نفس اليوم، جبت محامي، وكتبنا ورقة رسمية بيت كريم وامه يقر فيها بالديون اللي عليه، ويتعهد بردها كاملة في مدة محددة. واتفقنا إن الحاجة نوال تتنازل عن أي حقوق ملكية ممكن تسبب نزاعات مستقبلية، وتفضل تعيش في بيتها في البلد، ونزورها بانتظام، وهي تيجي لنا زيارات بحدود معقولة، من غير ما تتدخل في تفاصيل حياتنا أو تقدم أي هدايا مش متأكدين منها.
أخذت قرار إني أتخلص من كل بقايا البطانية فورًا، وأحرقها بعيدًا عن البيت، عشان ما يبقى ليها أي أثر يذكر. واحتفظت بأوراق التحاليل في مكان آمن، كدليل أخير لو احتجته في يوم من الأيام ليس للانتقام، بل لحماية عيلتي من أي خطر ممكن يتجدد.
الجزء الخامس بعد مرور سنة
النهارده، ديسمبر، والجو بدأ يبرد. كنت قاعدة في بلكونة بيتنا، وبأشوف ياسين بيلعب في الحديقة الصغيرة قدام البيت مع كريم. كان لابس جاكت دافئ، وبيضحك بصوت عالي، وبيجري ورا الفراشات. جسمه أصبح قوي، وصحته كويسة، والحمد لله، ما جاله أي مرض أو تعب من بعد الحادثة.
كريم غير كتير في حياته. رجع يشتغل بجد واجتهاد في وظيفته، وفتح مشروع صغير جنب الشغل، وبدأ يجمع الفلوس اللي عليها لأمه. كل شهر، كان يروح بنفسه يزورها، ويوصلها جزء من المبلغ، ويقضي معاها يوم كامل. كانت الحاجة نوال بتستقبله بفرح، وكل مرة كانت بتعطيه هدايا لياسين بس دي المرة، كل هدية بتمر عليّ قبل ما يوصلها، وبفحصها كويس، وهي بتضحك وتقول حقك عليّ يا سارة، شكيكي في محله، وكل حاجة ليكي الأولية فيها.
العلاقة بيننا بقيت هادية، مبنية على الاحترام المتبادل والثقة اللي رجعت تبني حجر بحجر. ما كانتش العلاقة المثالية اللي ما فيها مشاكل أحيانًا نختلف، وأحيانًا نزعل بس أي مشكلة بتواجهنا، بنحلها بالصراحة والهدوء، من غير ما نخبي حاجات أو نكذب على بعض.
اليوم، كريم جاب معاه بطانية جديدة، اشتراها من أحسن المحلات، قطن طبيعي 100، معاها شهادة ضمان وفحص جودة. قدمها لياسين وقال
دي هدية بابا ليك يا حبيبي، تدفّيك في الشتا، وتنام بيها وأنت مرتاح ومطمئن.
بصيت للبطانية، وبصيت لكل حاجة حصلت في السنة اللي فاتت. تذكرت البطانية الحمرا القديمة، والسر اللي كان جواها، والخوف اللي عشته لكن تذكرت كمان قوتي، وإنقاذي لابني، وقراري الصعب اللي حافظ على عيلتي من الضياع.
جتني رسالة على موبايلي من الحاجة نوال كل سنة وإنتوا طيبين يا سارة. ربنا يخليلكم ياسين، ويحفظكم من كل شر. أنا عملت دعاء في الجامع النهارده، وقلت ربنا يكمل عليهم نعمه، ويديم بينهم المحبة. سامحيني تاني على كل حاجة.
دمعة صغيرة نزلت من عيني، ومسحتها بسرعة عشان محدش يلاحظ. رديت عليها وإنتِ طيبة يا طنط نوال. ربنا يتقبل منك. الحمد لله اللي جمعنا على خير.
رجعت بصيت للياسين اللي راح بيها البطانية لغرفته، وكريم جاني ووقف جنبي، وحط إيده على كتفي
تفكري في إيه؟
بفكر إن الأسرار لما بتتخبى، بتكبر وتتحول لسم يأكل كل حاجة حلوة حواليها. ولما تنكشف، بتكون مؤلمة وقاسية لكنها الطريق الوحيد عشان نبدأ من جديد بقلوب نظيفة.
معاكي حق قالها وهو بيضمها لصدره والحمد لله اللي رزقني بيكي. أنتِ قلب العيلة، وأنتِ اللي حفظتيها من التهدم.
مرت السنين، وكبر ياسين، وبقى شابًا قويًا، متعلمًا، محبوبًا، ويعرف قيمة الصدق والصراحة من اللي شافه وسمعه. حماتي عاشت لحد ما وصلت لتسعين سنة، وماتت وهي راضية عن نفسها وعن عيلتها، وكريم كان بجانبها في لحظتها الأخيرة. وورثنا عنها حب الخير والندم على الخطأ والقدرة على العفو عند المقدرة.
وكل ما كنت أشوف بطانية، أتذكر الحكاية دي، وأقول لنفسي
الحب الحقيقي مش في الهدايا اللي نقدمها، ولا في الكلمات الحلوة اللي نقولها الحب الحقيقي هو إنك تحمي اللي بتحبهم من كل شر، حتى لو كان الشر جاي من أقرب الناس لهم. وإن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، فهي أفضل بكتير من أي سر يقتل السعادة ببطء.