كنت اروح لامى كل يوم
من قبل، وعرفت إن اللحظة دي هي اللي كسرت الحائط اللي كانت بنته بينها وبين الحقيقة. قربت منها ، وكلنا كنا نبكي مع بعض، بكاء على أمي، وبكاء على الفرصة اللي راحت، وبكاء على الحنية اللي كانت مفروض تجمعنا وما جمعتنا غير بعد الفراق.
محمد واقف جنبنا وعينيه بتدمع، وناهد واقفة جنبه ومسكة إيده، والكل كان حاسس إننا كسبنا حاجة ورجعنا لبعض، لكن في نفس الوقت خسرنا أغلى وأعز ما نملك، وإن الندم ده هيبقى شايل معانا طول العمر، يذكرنا بكل لحظة كنا ممكن نغيرها وما غيرناش.
بعد الرحيل ما بقي من الحكاية
مرت الأيام والأشهر، وكل يوم كنا بنكتشف حاجة جديدة تثبت لنا قد إيه أمي كانت عارفة كل حاجة ومخططة لكل حاجة، عشان ما نختلف ولا نتفرق بعد ما تروح.
عرفنا إنها كانت كل ما تكلمني في التليفون وتسأل عليا وعلى راضي، كانت بتقول لي قولي له إني بحترمه وبقدره، وإن ما في حد في الدنيا يستاهل تضحى عشانه غيره هو وبنتك. وكانت بتقول لراضي لما كان بيجي يزورها من غير ما أعرف خليك بالحنان عليها يا ولدي، هي طيبة وما بتعرفش تزعل حد، وكل ما بتعمله ده من حبها لينا كلنا. كانت بتكتم كلامها عشان ما تضايقني ولا تخليني أحس إنها بتتدخل، وكانت بتعتمد على ربنا وعلى حبنا لبعض إننا نرجع لبعض من غير ما تحتاج تتكلم.
راضي اتغير كله، قسوته راحت وبدلها حنية وحنان ما شفتش منه قبل كده. كان كل يوم بيصحى ويقول لي خلينا نروح نقرا فاتحة لها، وكان بياخد بنتنا ويروح بيها قبرها، ويقول لها ده قبر ستك الغالية، كانت بتحبك وبخاف عليكي، وكل ما نعمل خير في حياتنا ده عشان رضاها. كان بيحاول يعوض كل لحظة قضاها بعيد عنها، وكل كلمة قاسية قالها لي في وقت زعل، وكل دقيقة كان ممكن يكون معاها وما كانش.
أما سعاد، فكانت بتجيني كل يوم تقريباً، بتسأل عليا وعلى راضي، وبتبقى معانا في البيت، وكانت بتقول لي كل شوية تعالي نروح نزورها مع بعض، ونقول لها إننا رجعنا لبعض، وإننا ما هنفرق تاني أبداً. كانت بدأت تشوف الحياة بعين تانية، عرفت إن الحقوق مش بتقاس بالعدد ولا بالحساب، وإن الواجب نحس ببعض ونقف جنب بعض قبل ما يفوت الأوان. كانت كل ما تشوف أي أم مريضة أو محتاجة، تدمع عينها وتقول يا رب ما يحرم حد من أمه، وما يخلي حد يحس بالندم اللي أنا حاسة به.
ومحمد وناهد، كانوا بيجتمعوا بينا كل جمعة، وكلنا كنا نجلس ونفتكر أيامها، ونقول كلامها، ونحاول نعيش على نصايحها اللي ما كانتش مجرد كلام، بل كانت حقيقة عايشة. ناهد قالت لي مرة وهي بتعيط كانت بتقول لي يا ناهد ما تكسريش خاطر حد، وكوني جنب حماتك زي ما تكوني جنب أمك، والخير ما بيروح لحد، وكل حاجة بتعمليها هترجع لك في الوقت المناسب. وأنا كنت شايفة إنها بتعطيني أوامر، بس عرفت إنها كانت بتعلمني معنى الحياة والخير.
الندم اللي باقي.. والأمل اللي رجع
الندم ما فارقنا أبداً، بس ما بقاش يأكلنا زي أول، لأنه تحول لقوة دافعة لنا، نعيش بيها ونتعلم منها. كل مرة نختلف أو نزعل، نفتكر كلامها ونقول هي ما كانتش عايزة لنا غير الخير والاتفاق، فليه نضيع اللي باقي من عمرنا في زعل وخصام؟.
بنتنا كبرت شوية، وكل ما تشوف صورة ستها، تقول لي ماما، ستة كانت طيبة قوي صح؟ كانت بتحبني وبحبها، ولما اكبر هكون زيها، هخدم الناس واخدمكم. كلامها بيقطع في قلبي، وبيخليني أتأكد إن روح أمي لسه عايشة بينا، بتتكلم في كلامها، وبتظهر في تصرفاتنا.
راضي كان بيقول لي في ليلة من الليالي، وهو مسك إيدي وعينيه بتلمع بدمعة خفيفة
عارفة يا حنان؟ أنا كنت فاكر إن الأمانة اللي سابتها لي فلوس أو دهب، أو حاجة تقدر تفرق في الحياة، بس طلعت الأمانة الحقيقية هي أنتِ، وأننا نفضل مع بعض، وأننا نحافظ على بعض، وأننا نعرف إن الخير والاتفاق هو اللي باقي في الدنيا دي. وإن أغلى حاجة ممكن حد يورثها لنا مش المال ولا العقارات، لكن الحنية والقلب الطيب والاتفاق اللي ما يفرقه شيء.
وأنا كنت أرد عليه وأنا بصوتها
وهي كمان ورثتنا الحكمة، إن ما نحكمش على حد من أول نظرة، وما نسمعش بس لنفسنا، وإننا قبل ما نطلب من الناس تقسيم الحقوق، نعرف إن القلب اللي بيحب هو اللي بيقدم أكتر من حقه، لأن الحب مش بحساب ولا بميزان.
آخر الكلام.. للي ما زال يسمع
وتمر السنين، وتبقى القصة دي تروح من جيل لجيل في عائلتنا، نحكيها لولادنا ولأحفادنا، عشان يتعلموا منها
إن الأم ما بتموت إلا وجزء منها باقي في قلوبنا، وكل ما نعمل خير فده عيشة لها وذكرى طيبة تبقى ليها.
إن الخصام والأنانية بياخدوا منا أغلى ما نملك، وغالباً ما نصحى ونعرف الحقيقة بس لما يكون الأوان فات والفرصة راحت.
إن الزوج الصالح مش اللي بيحسابك على كل دقيقة وتصرف، لكن اللي بيفهم قلبك ويعرف إن كل ما بتعمليه من حب هو ليه ولأهل بيته أول وأخير.
وإن الأخت مش بس دم ولحم، لكنها الروح اللي مفروض تكون جنبك في كل وقت، قبل ما يفوت الأوان وما تقدرش تقول لها سامحيني غير لما يكون الصوت مسموع وما فيه حد يسمعك.
وأمي اللي كانت بتسمع زهرة الربيع، كانت فعلاً زهرة ما ذبلت ولا ماتت، جذورها باقية في قلوبنا، وريحها لسه مالية البيت، وكل ما نتفق ونحب بعض، بتفتح الزهرة تاني في قلوبنا، وتقول لنا أنا كنت عارفة إنكم هترجعوا لبعض، وإن الحب اللي بينكم أقوى من أي زعل وأي خصام، وأنا راضية عنكم، ومطمنة عليكم، وسعيدة إنكم رجعتوا لبعض قبل ما تضيعوا بعض أكتر.
وكل ما نروح نزور قبرها، بنقرا لها الفاتحة، ونقول لها نحن بخير يا ست الكل، وبقينا مع بعض، وما هنفرق تاني أبداً، وكل ما نعمله ده عشان رضاكي، وعشان تفرحي بينا في الجنة زي ما كنتي بتفرحي بينا في الدنيا.
والندم اللي كان جمر بيأكلنا، تحول لذكرى حلوة بتعظنا، وبتقول لنا دايماً ما تضيعوش لحظة مع الأهل، ولا تفرقوا بينكم مشاكل الدنيا، لأن الدنيا بتمشي، والمال بيروح، والبيوت بتتغير، بس الأهل والحب والاتفاق هو اللي باقي، وهو اللي ينفعكم في الدنيا والآخرة.