كنت اروح لامى كل يوم

لمحة نيوز

كان في ودنها.. بس وهي بتطلع في الروح، سابت كيس بلاستيك أسود ومربوط جامد. قالتلي ده لراضي جوز حنان، وحلفتني بأغلى ما عندي مفيش مخلوق يفتحه ولا يعرف اللي جواه غيره هو.. اتفضل يا راضي، أمانة أمي ليك.
راضي استغرب، وعينيه اتوسعت بذهول. وقال...ليا انا متأكد!!!!
محمد هز راسه بموافقه 
وراضي أخد الكيس البلاستيك المقفول من إيد محمد.
الكل كان ساكت وبيراقب.
مسك راضي الكيس، وفك العقدة بتاعته بالبطيء، وفتح الكيس وبص جواه...
زهرة_الربيع 
في لحظة واحدة، وش راضي اتخطف، ألوانه كلها طارت، وعينيه أتسعت بذهول وصدمة زلزلت كيانه. الكيس ما كانش فيه فلوس، ولا دهب، ولا حتى جواب أو ورقة مكتوبة منها!
بس اللي شافوه عينيه جوه الكيس البلاستيك ده... خلى راضي انفجر في بكاء هستيري وندم يعصر القلب، ندم هيعيش يفتكره وياكله أكل طول ما فيه نفس بيطلع وينزل!
فتح راضي الكيس بيدين مرتعشتين، كل دقة في قلبه كانت بتطرق في صدره زي المطرقة، وكل حد في الصالة كان بيمسك نفسه من الترقب، ساكتين لدرجة إنك تسمع دقات الساعة القديمة اللي كانت معلقة على الحيطان، وحتى أنا اللي كنت ميتة من الحزن والغضب، رفعت عيني بصتله بلا وعي، عايزة أعرف إيه اللي كان مهم لهالدرجة لدرجة أمي تحلف وتوصي ويكون هو بس اللي يشوفه؟
الكيس ما كانش فيه غير أربع حاجات صغيرة، مجرد أشياء بسيطة ما كانش حد يتوقع إنها تكون أمانة غالية لهالشكل
أول حاجة مناديل قطنية بيضاء صغيرة، مبقعة ببقع سوداء قديمة من الدواء، ومطوية بعناية، ومكتوب عليها بخط أمي المرتعش اللي كنت بحفظه من صغري لحبيبي اللي كان بيجيلي كل جمعة ويجيبلي ورد بلدي، وما كانش بيزعلني ولا يرد لي طلب.
تاني حاجة قطعة قماش صغيرة من القماش اللي كان بيلبسه راضي في أول خطوبتنا، لونها بني فاتح، كانت أمي خدتها مني يوم ما جبتلها عينات من قماش بدلته عشان تفرح بيها، وحطتها جنبها طول ما هي مريضة.
تالت حاجة صورة صغيرة جداً ومش واضحة قوي، اتقطعت من صورة عائلية قديمة، كانت بتظهر بس يد راضي وهو بيقبل راس أمي في أول زيارة ليه بعد ما اتجوزنا، ومكتوب تحتها اليد اللي ما بتبخل بالحنية ولا بالعطاء.
ورابع حاجة، واللي كانت السبب في انفجار البكاء والندم اللي شل حركة راضي ورقة صغيرة مكتوبة بالرصاص، ومحطوطة في كيس شفاف عشان ما تتدمر، كلامها بسيط جداً، بس كل كلمة منها كانت سكين بيقطع في قلبه
يا حبيبي يا راضي... لو انت بتقرا الكلام ده، يبقى أنا رحت لربنا، وآخر أمنية لي نفذتها قبل ما أروح.
عارفة إنك زعلان من حنان، وعارفة إنك شايف إنها بتقصر معاك ومع بنتك عشان خاطري. وأنا عارفة إنك قلبك طيب ومش قاسي، بس الغيرة والخوف على أهل بيتك هو اللي خلاك تقسى عليها.
سامحها يا راضي... سامحها عشان خاطري. هي ما كانتش بتتركني ولا بتنساني، وكل ما كانت بتأخر في الرجوع كانت عشان خايفة تسيبني وحيدة، وكل ما كانت بتترجاك تروح لها كانت عشان تعرف إنها ما تقدرش تفرط فيا زي ما أختها فعلت.
ما تزعلش منها... ولا تاخدها بذنب غيرها. أنا عرفت إنها كانت بتترجى سعاد تيجي مكانها ومش عايزة تضايقك ولا تقصر في حقك، بس سعاد قلبها قاسي ومش عارفة معنى الأمومة غير لما تيجي عليها اللحظة نفسها.
وآخر حاجة أقولها لك... لو كنت عارفة إن وجودي هنا هيفرق بينك وبينها، ويمسك الحنية اللي بينكم، كنت طلبت منها من زمان ما تجيش تزورني. بس أنا كنت وحيدة يا راضي... وحيدة ومحتاجة أشوف وشها وأسمع صوتها، هي اللي كانت بتنسيني وحشة المكان، وهي اللي كانت بتقول لي كلام حلو ينسيني ألم المرض.
خليك جنبها يا ولدي... وارحم قلبها اللي اتكسر مرتين مرة لما سابتني ومرة لما لقتني رحت وما شافتنيش.
وأنا طالبة منك طلب أخير... خلي بنتنا تربى على إن الخير ما بيتقطعش، وإن الأقربين أولى بالمعروف، وإن مهما حصل، الحنية هي اللي بتبقى واللي باقي.
والله ما كنت أتمنى في الدنيا كلها غير إنكم تفضلوا مع بعض، وما يفرق بينكم حاجة لا المرض ولا الموت ولا أي حد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في اللحظة اللي خلص فيها راضي قراءة الكلام، سقط الورقة من إيده، وركع على الأرض زي اللي اتضرب بضربة قاضية، وبدأ يبكي بكاء مسموع، صرخات مكتوبة وموجوعة، بكاء اللي عرف إنه خسر أغلى فرصة ليعتذر، وإن قسوته كانت سبب في إنها تموت وهي خايفة علينا ومش عارفة تفرح إننا متفقين.
كنت بصاله وأنا مذهولة، دموعي اتوقفت للحظة من الصدمة، ما كنتش عارفة إن أمي كانت عارفة بكل حاجة، عارفة بالخصام، عارفة بزعل راضي، عارفة بكل اللي كنت بمر بيه، وكانت بتكتم كل ده عشان ما تزيد همي، وبدل ما تشتكي أو تطلب، كانت بتوصي وتسامح وتدعو لنا بالاتفاق.
راضي رفع راسه وعينيه مليانة دموع ونظرته مليانة ندم ما يوصف، بصلي وقال بصوت متهتك ومقطوع من البكاء
سامحيني يا حنان... سامحيني يا حبيبة قلبي... والله ما كنت أعرف، ما كنت أتخيل إنها كانت شايفة كل ده وعارفة بكل حاجة... أنا كنت أعمى، كنت شايف بس حقي وحق بنتي، وما شفتش إنك بتاخدي حقها وحق نفسك وحقي في نفس الوقت... أنا اللي خسرتك، وأنا اللي حرمت نفسي من شوفة أمي ورضاها، وأنا اللي كنت السبب في كل اللي حصل...
مش عارفة جالي قوة منين، قمت من مكاني ومشيت ناحيته، ومديت إيدي مسحت دموعه اللي كانت بتجري على خده، وقلت بصوت مكسور ومليان وجع
وأنا كمان سامحيني يا راضي... سامحيني عشان ما كنتش أقدر أوصل لك قد إيه هي كانت محتاجاني، وإن ما كانش في بالي غيرها، وإن كل ما كنت أفعله كان عشانها وعشانك وعشاننا... ما كانش في بالي غير إننا نكون بخير، وإنها تفرح بينا لآخر يوم في عمرها...
في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخة من ورانا، لفتنا لقينا سعاد أختي واقفة ومش عارفة تتنفس، وشها شاحب ومترجرج، وعيونها بتطلع شرار من الحزن والندم والخجل اللي ما يوصف. كانت شافت وسمعت كل حاجة، وعرفت إن أمي ما كانتش غاضبة منها ولا ناسية حقها، لكنها كانت عارفة إن قلبها قاسي، وإنها مش هتغير، وكل ما كانت بتطلبه بس إنها ما تمنعش اختها من حقها.
سعاد جت تمشي ناحيتنا بخطوات مترددة ومتعثرة، ووقفت قدامي ورفعت إيدها تحاول تلمسني بس خافت، وقالت بصوت ضعيف ومهزوز
سامحيني يا حنان... سامحيني يا أختي... والله ما كنت أعرف إنها كانت بتتألم كده، ما كنت أعرف إنها كانت محتاجاني لهالدرجة... أنا كنت أنانية، كنت شايفة بس نفسي وحياتي، ونسيت إنها اللي ربتنا وعلمنا وضحت كل حاجة عشاننا... ونسيت إنها كانت محتاجة لنا زي ما كنا محتاجين لها واحنا صغيرين...
مش عارفة أرد عليها إيه، قلبي كان مليان وجع ومش قادر ينسى، لكن شفت في عيونها الندم الحقيقي اللي ما كانش باين
تم نسخ الرابط