انقذت طفله
مثلما قتلوهما.
جلسنا معًا على مقعد خشبي، وبدأ يحكي لنا ما حدث بالتفصيل كان السيد محمد والسيدة سيدة يعملان في شركة النور لسنوات طويلة، وكانا من أكثر الموظفين ثقة لدى صاحب الشركة، رجل الأعمال المعروف كمال الجوهري، لكنهما اكتشفا أن الشركة تقوم بصنع أدوية مزيفة لا علاج لها، بل تزيد من مرض المرضى، وأنها تُباع في المستشفيات الحكومية والخاصة، وأن هذا تسبب في وفاة المئات، وجمعا كل الأدلة، والفواتير، والتسجيلات الصوتية، والكشوفات الحسابية التي تثبت كل هذه الجرائم، وقررا تسليمها للنيابة العامة، لكن كمال الجوهري علم بهذا، وبدأ يهددهما، ويطلب منهما إتلاف الأدلة، وعرض عليهما أموالًا طائلة، لكنهما رفضا، وقالا إن العدالة يجب أن تتحقق، وإن دماء الضحايا لا يمكن أن تُشترى بثمن.
سكت للحظة، ومسح دمعة سقطت من عينه، ثم واصل في ذلك اليوم، كانا يحملان الأدلة معهما ليذهبا إلى النيابة، وكنت أقود السيارة، وفجأة لاحقتنا سيارتان سوداوان، وحاولتا إيقافنا، وعندما فشلتا، دفعتا بنا خارج الطريق، واصطدمنا، وبمجرد أن توقفنا، نزل رجال مسلحون من السيارتين، واقتربوا منا، وكانت السيدة سيدة تعلم أنهم سيقتلوننا جميعًا، فأخذت الشريحة الإلكترونية التي كانت تحتوي على كل الأدلة، وزرعتها تحت جلد ليلي في تلك اللحظة، وأعطتني الرسالة والمستندات، وطلبت مني أن أهرب، وأن أحتفظ بها حتى تصل ليلي إلى سن الرشد، ثم أرسلها إليها، وقالت لي إذا لم ننجُ، فهذا هو أملنا الوحيد، والرجل الوحيد الذي نثق به هو الدكتور خالد، الذي سيعالج ليلي الآن، لقد رأيناه وهو يعمل، ورأينا نزاهته، وهو الوحيد الذي سيحميها ويكمل طريقنا. ثم أغلقت عينيها، وتلقى السيد محمد رصاصة في صدره، وحاولت الهرب، وأصبت في ساقي، لكنني استطعت الاختباء بين الأشجار حتى غادروا المكان، ورأيتُ بنفسي كيف أخذوا جثثهما، وتركوا ليلي وهي تتنفس بصعوبة، وكنت سأعود لأخذها، لكنني رأيت سيارات الإسعاف والشرطة تقترب، فخفت أن يمسكون بي، وقررت أن أذهب وأختبئ حتى يحين الوقت المناسب.
سألته بصوت متأثر ولماذا لم تتصل بي أو تخبرني بأي شيء طوال هذه السنوات؟
قال بحزن لقد كنت أراقبك من بعيد يا دكتور خالد، كنت أتأكد أنك تعتنين بها حقًا، وأنك لم تسلميها لأحد، وأنك لم تتعرض لأي أذى، ولقد كنت سعيدًا كلما رأيتها تكبر وتعيش حياة طبيعية، لكنني كنت خائفًا، فكمال الجوهري لا يزال يسيطر على كل شيء، وله أعين في كل مكان، وكنت أعلم أنه إذا علم بوجودي، أو بوجود الشريحة، فسوف يقتلني ويقتلها ويقتلك دون أي تردد. والآن بعد أن بلغت الثامنة عشر، أصبح بإمكانها أن تقرر مصيرها بنفسها، وأصبح بإمكاننا أن نحاول كشف الحقيقة، لكن المخاطرة لا تزال كبيرة جدًا.
في تلك اللحظة، اقتربت ليلي منه، وقالت بصوت حازم رغم دموعها أعلم أن المخاطرة كبيرة، لكنني لا أستطيع أن أعيش باقي حياتي وأنا أختبئ، ولا أستطيع أن أسمح لمن قتل والديّ بأن يستمر في جرائمه ويستفيد من دماء الضحايا. لقد منحاني الحياة، وسأكمل ما بدآه، مهما كلفني الأمر.
أعطانا الرجل كامل نسخة إضافية من بعض المستندات التي كان يحتفظ بها، وأخبرنا أن الشريحة تحتوي على كل شيء، وأن هناك خبيرًا كمبيوتر موثوقًا يمكنه استخراج كل ما عليها، لكنه يحذرنا من التسرع، لأن كمال الجوهري يعيش في قصره، ويحيط به رجال أمن، وله نفوذ في كل مؤسسات الدولة، ولقد أفلح في إيقاف كل من حاول كشف حقيقته طوال السنوات الماضية.
عندما عدنا إلى المنزل، لم نعد نشعر بالخوف كما كنا من قبل، بل شعرنا بقوة جديدة، قوة مستمدة من حب والدي ليلي، ومن العدالة التي يستحقها كل من تعرض للظلم. بدأنا ندرس خطواتنا بعناية، وتواصلنا مع الخبير الذي أوصانا به كامل، واتفقنا معه على استخراج محتوى الشريحة بحذر شديد، واتصلنا بصديقي المستشار أحمد، وأخبرناه بكل ما لدينا، وبما نعرفه، وبعد تردد طويل، وعدنا بأنه سيساعدنا، وسيعمل على تقديم الأدلة للنيابة العامة، لكنه طلب منا الصبر والحذر، لأن المعركة لن تكون سهلة، وستكون ضد أقوى رجال الأعمال في البلاد.
وفي الأيام التالية، بدأت نلاحظ أن هناك من يراقب منزلنا، وبدأت الهواتف الغريبة تصلنا، تحذيرات وتهديدات، لكننا لم نعد نبالى بها، فقد قررنا أن نمضي في طريقنا مهما كانت العواقب. استخرج الخبير محتوى الشريحة، وكانت تحتوي على آلاف الصفحات من المستندات، والتسجيلات، والفيديوهات، التي تثبت تورط كمال الجوهري وشركائه في كل الجرائم التي ارتكبوها، من تزوير الأدوية، إلى غسل الأموال، وحتى التخطيط لقتل والدي ليلي وغيرهم ممن حاولوا كشف الحقيقة.
عندما اكتملت الأدلة، تقدمنا بها إلى النيابة العامة، وبعد ضغوط كبيرة ومحاولات عديدة لمنع عرض القضية، تم فتح التحقيقات رسميًا، وبدأ الخيط يتكشف، وظهرت أسماء كثيرة من المسؤولين ورجال الأعمال المتورطين في هذه الشبكة الإجرامية. وبعد أشهر من التحقيقات والمحاكمات، صدر الحكم النهائي بالسجن المؤبد لكمال الجوهري وشركائه، ومصادرة كل أموالهم وأملاكهم، وتم إغلاق الشركة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل.
في اليوم الذي صدر فيه الحكم، وقفت ليلي أمام قبر والديها، ووضعت باقة من الزهور، وقالت بصوت عالٍ لقد انتصرنا يا أبي، يا أمي، لقد كشفت الحقيقة، وحققنا العدالة التي دفعتم حياتكم ثمنًا لها، ولن يذهب دمكم هباءً أبدًا.
عدنا معًا إلى المنزل، والشعور بالسعادة والارتياح يملأ قلوبنا، وعلى الرغم من كل ما مررنا به، إلا أننا كنا أقرب من أي وقت مضى. لم يغير هذا السر شيئًا من علاقتنا، بل زادها قوة وصلابة، وعرفت ليلي أنني لم أكن مجرد أبٍ تبنّاها، بل كنت القدر الذي اختاره والداها ليكون الحامي والملاذ، وعرفت أن الحب ليس مجرد صلة دم، بل هو الاختيار الصادق، والرابطة التي تجمع القلوب مهما كانت الظروف والأسرار.
وفي المساء، عندما جلسنا معًا كما كنا نفعل دائمًا، نظرت إليّ ليلي وابتسمت وقالت شكرًا لك يا بابا، شكرًا لأنك أنقذتني في ذلك اليوم، وشكرًا لأنك ربيتني وكنت لي كل شيء، ولن أستطيع أن أشكرك مهما فعلت.
أمسكت بيدها وقبلتها، وقلت لها أنا من يجب أن أشكرك يا حبيبتي، لقد كنتِ الهدية التي أرسلها لي القدر، وكنتِ السعادة التي ملأت حياتي، وكل ما فعلته هو أقل ما يمكن أن أقدمه لكِ، ولن أتوقف أبدًا عن حمايتك وحبكِ، مهما حدث.
وهكذا انكشفت الأسرار، وتحققت العدالة، وبقيت رابطة الحب التي جمعتنا أقوى من كل المؤامرات، وأعمق من كل الأسرار، وعلمنا أن الحقيقة وإن طال إخفاؤها، لا بد أن تظهر في النهاية، وأن الحب الصادق هو السلاح الأقوى في وجه الظلم والشر.