انقذت طفله
المحتويات
نحتسي الشاي، والصمت يملأ المكان. كنت أعلم أنني لا أستطيع أن أبقى هكذا، وأنني يجب أن أسألها، لكنني كنت خائفًا من الإجابة، خائفًا أن يكون ما سمعته صحيحًا، خائفًا أن أفقدها، فقد كانت هي كل ما أملك في هذه الحياة.
بعد فترة طويلة من الصمت، تكلمت ليلي فجأة، وقالت بصوت هادئ جدًا بابا... أعلم أنك تخفي شيئًا عني منذ أن جاء ذلك الصندوق. لقد رأيتك وأنت تحمله إلى غرفتك، ورأيت التغير في ملامحك، ورأيت دموعك وأنت تمسحها بسرعة عندما دخلت.
نظرت إليها بصدمة، وقالت بصوت متقطع كيف عرفتِ؟ وكيف لاحظتِ هذا؟
تنهدت بعمق، وقالت لأنني أعرفك يا بابا، أعرف كل تغير في ملامحك، وكل نبرة في صوتك. لقد كنتَ لي كل شيء، ولم يكن لديّ سواك في هذا العالم. وهناك شيء آخر... لقد كنت أشعر طوال السنوات الأخيرة بأن هناك شيئًا غامضًا يحيط بي، شيء لا أستطيع تفسيره. كنت أحلم أحلامًا غريبة، أحلم بسيارة تسير بسرعة جنونية، وبصوت صرخات، وبيدين تحملانني وتضعانني في مكان آمن، ثم أستيقظ وأنا أرتجف، ولا أستطيع أن أتذكر شيئًا سوى عينين دامعتين تنظران إليّ بحنان.
سكتت للحظة، ثم واصلت بصوت مرتعش وقبل ثلاثة أشهر، وجدتُ شخصًا يراقبني أمام الجامعة، وبعد عدة أيام وجدتُ رسالة صغيرة في حقيبتي تقول لي إذا أردتِ أن تعرفي حقيقة والديك، فابحثي عن الشريحة المزروعة في كتفك الأيسر. لم أستطع أن أخبرك يا بابا، كنت خائفة، وخائفة بشكل خاص من أن تقلق، أو أن يحدث لك أي مكروه بسببي. لذلك ذهبتُ إلى طبيب أثق به، وطلبتُ منه أن يفحصني، وبالفعل... وجد شريحة إلكترونية صغيرة مزروعة تحت الجلد، لم أكن أعلم بوجودها أبدًا.
شعرت وكأن صاعقة قد ضربتني، فهذا هو الجزء الذي لم تذكره والدتها في رسالتها، أو ربما لم تكن تعلم أن ليلي ستكتشفه بنفسها، وأنها ستبدأ في البحث عن الحقيقة وحدها. قلت بصوت عالٍ ولماذا لم تخبريني يا ليلي؟ ألا تثقين بي؟ ألا تعلمين أنني سأحميكِ بكل ما أملك، وحتى بحياتي؟
دمعت عيناها وقالت بالطبع أثق بك يا بابا، وأعلم أنك ستفعل أي شيء من أجلي، لكنني كنت أخشى أن تكون هذه الحقيقة قاسية جدًا، وأنها ستغير كل شيء بيننا، أو أنهم سيصلون إليك من خلالي. لم أكن أريد أن أكون سببًا في أي أذى يصيبك. لقد حاولتُ أن أتجاهل الأمر، لكنني لم أستطع، لقد كان يلاحقني في كل مكان، ويجعلني أشعر بأنني لست أنا، وأن هناك جزءًا من تاريخي قد سُرق مني.
أمسكت بيديها بين يدي، وقبلت رأسها، وقلت لها بكل حنان لا شيء يمكن أن يغير ما بيننا يا حبيبتي، لا شيء على الإطلاق. لقد كنتِ ابنتي منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها، وستظلين ابنتي مهما كانت الحقائق، ومهما كانت الأسرار. والآن يجب أن نعرف كل شيء معًا، لا يوجد أسرار بيننا بعد اليوم.
صعدنا معًا إلى غرفتي، وأخرجت الصندوق من تحت السرير، ووضعت كل ما فيه أمامها. قرأت الرسالة ببطء، وتابعت التقارير الطبية، وكلما قرأت سطرًا، ازدادت دموعها انهمارًا، وازدادت قبضتها على يدي. عندما انتهت، نظرت إليّ وقالت بصوت خافت إذن والداي لم يكونا مجرد ضحايا حادث، بل كانا شهيدين يحاولان كشف الحقيقة؟ وهؤلاء الأشخاص الذين يبحثون عني هم نفس الأشخاص الذين قتلوهما؟
هزأت رأسي وقالت يبدو أن هذا هو الحال، يا ليلي، لكننا يجب أن نكون حذرين جدًا، فهؤلاء لا يترددون في فعل أي شيء للحفاظ على مصالحهم، ولإخفاء جرائمهم. لكننا لسنا وحيدين، فهناك الشخص الذي أرسل هذا الصندوق، وهو لا يزال على قيد الحياة، ويعرف كل شيء، وربما يمكنه مساعدتنا.
في الصباح التالي، بدأنا البحث عن أي دليل قد يقودنا إلى هذا الشخص، أو إلى أي معلومات إضافية عن العصابة التي كانت والدا ليلي تعملان معها. بدأتُ بالعودة إلى ملفاتي القديمة في المستشفى، وبحثت في كل ما يتعلق بحادث ذلك اليوم، ووجدت أن التقرير الرسمي ذكر أن الحادث وقع نتيجة انفجار إطار السيارة، لكن الشهود الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت لم يكونوا متأكدين، وقال بعضهم إن سيارة سوداء بدون لوحات كانت تلاحقهما، ودفعتهما خارج الطريق.
تواصلت مع بعض الأصدقاء القدامى في النيابة والشرطة، ووجدت أن هناك ملفًا سريًا مغلقًا لهذه القضية، ولم يُسمح لأحد بالاطلاع عليه، بحجة عدم وجود أدلة كافية. لكن صديقي القديم، المستشار أحمد، الذي يعمل في النيابة العامة، أخبرني بسرعة أنه يتذكر هذه القضية جيدًا، وأن هناك ضغوطًا كبيرة من جهات مجهولة أوقفت التحقيقات فورًا، وهددت كل من يحاول الاقتراب منها.
وفي نفس الوقت، بدأت ليلي في البحث عن أي معلومات عن والديها، وعن الأشخاص الذين كانوا يتعاملون معهم، واستخدمت مهاراتها في البحث عبر الإنترنت التي تعلمتها في دراستها، لتبحث في الصحف القديمة، والسجلات الرسمية، وملفات الشركات. وبعد ثلاثة أيام من البحث المتواصل، وجدت مقالًا قديمًا في صحيفة محلية صغيرة، يتحدث عن شركة أدوية كبرى تُدعى النور للصناعات الدوائية، يشتبه في تورطها في تداول أدوية مزيفة تسببت في وفاة المئات من المرضى، وذكر المقال أن هناك موظفين سابقين في الشركة كانا يمتلكان أدلة دامغة، لكنهما لقيا مصرعهما في حادث غامض قبل أن يقوما بتسليمها للجهات المختصة.
كان اسم والدي ليلي مذكورًا في نهاية المقال، كأحد هذين الموظفين. وفي نفس اليوم، تلقيت مكالمة هاتفية من رقم غير معروف، وبمجرد أن أجبت، سمعت صوتًا خافتًا متقطعًا يقول لا تثق بأحد، لا تذهب إلى الشرطة، فهم يسيطرون على كل شيء. قابلني غدًا في الساعة الخامسة مساءً في حديقة الأزهر، بجوار الشجرة الكبيرة في المنتصف، وحدك، ولا تأخذ معك أحدًا، وإلا فلن ترى شيئًا أبدًا.
قبل أن أتمكن من السؤال عن أي شيء، أغلق الخط في وجهي. أخبرت ليلي بالمكالمة، ورفضت بشدة أن أذهب وحدي، وقالت سأذهب معك يا بابا، لن أتركك تذهب وحدك لمواجهة هؤلاء الأشخاص، فأنا الآن أعرف حقيقتي، ولديّ الحق في أن أعرف كل شيء، ولديّ الحق في أن أواجه من قتل والديّ.
جادلتها طويلاً، لكنها كانت مصممة، وفي النهاية وافقت، لكنني طلبت منها أن تبقى بعيدة عن مكان اللقاء، وأن تكون جاهزة للاتصال بصديقي المستشار أحمد في حال حدوث أي شيء، وطلبت منه أن يكون قريبًا منا في سيارته، دون أن يظهر، تحسبًا لأي طارئ.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى حديقة الأزهر، واتخذنا أماكننا كما اتفقنا، وبعد دقائق قليلة، رأيت رجلاً عجوزًا يمشي ببطء، يعكف على عصا، ويتجه نحو الشجرة الكبيرة، كان يرتدي ملابس عادية، ووجهه مليء بالخطوب، لكن عينيه كانتا تحملان نظرة حذرة وخوف دائم. اقتربت منه، وقلت بصوت هادئ أنت من اتصل بي؟
نظر إليّ بحذر، ثم ألقى نظرة سريعة حوله، وقال نعم، أنا هو. اسمي كامل، كنت السائق الخاص لوالدي ليلي، وكنت الشخص الوحيد الذي كان يثقان به، وكنت معهما في ذلك اليوم المشؤوم، لكنني نجوت بأعجوبة، واختبأت طوال هذه السنوات خوفًا من أن يُقتلوني
متابعة القراءة