امى اشتغلت 77 يوم من غير فلوس
حد ما يخافش منك، ولقيت حد جاي يطلب الحق ولو كان في جبل نار.
سكت شريف ومش عارف يقول حاجة، وجهه أصبح لونه أصفر من الخوف. الحاج منصور أشار لواحد من الرجالة وقال
اجيبوا المحاسب بتاعه هنا، واجيبوا كل الدفاتر بتاعة الشغل، وحسابوا كل يوم وكل ساعة بالظبط، زي ما القانون بيقول، وزي ما الشغل يستاهل. ولا يقللوا ولا يزودوا، الحق حق مهما كان قليل ولا كتير.
بعد نص ساعة جابوا الحساب المجموع كان ألف وسبعمائة وخمسين جنيه، زيادة على مبلغ تعويض عن التأخير والظلم، حسب ما قال الحاج منصور، وصل المجموع لألفين ومائتين جنيه. شريف طلع الفلوس بيده وهو مرتجف، مكنش عايز يطلعها بس ما كانش قدامه خيار تاني، حطها على الطاولة قدام الحاج منصور.
الحاج منصور خد الفلوس، طواها ببطء، ومسك إيدي الصغيرة بتاعي، وحط الفلوس في كفي وقال
خدها لامك يا آدم، دي حق تعبها، دي حق صبرها، دي كل يوم كانت تقف فيه وتشتغل وتتحمل ومش عارفة ليه النهاية. وقول لها إن الحق مهما طال الزمن ومهما كبر الظالم، بيرجع لصاحبه في الآخر. وقول لها إن ربنا مش بينسى حد، ولا بيضيع تعب حد أبدًا.
كنت ماسك الفلوس بكل قوتي، وعيوني مليانة دموع بس كنت مش عايز أبكي، كنت عايز أكون قوي زي ما قلت لنفسي. قلت له بصوت مهزوز بس مفرح
شكرًا يا باشا، شكرًا جدًا، ماما هتفرح كتير، ومش هتعيط تاني أبدًا.
ابتسم لي وقال
ولا تشكرني يا آدم، ده واجبي، ده واجب كل راجل عنده دم في عروقه. ولازم تعرف من دلوقتي إنك مش لازم تكون كبير عشان تطلب الحق، ومش لازم تكون غني عشان تساعد الغير، كل اللي محتاجه إنك تكون صادق وقوي ومش تخاف إلا من ربنا. ده اللي بيجعلك راجل حقًا.
في اللحظة دي شفت ماما جاية تجري من بعيد، كانت عيونها مليانة خوف، لما شافتني قاعد جنب الحاج منصور والفلوس في إيدي، وقفت مكانها مش عارفة تمشي ولا تيجي، مش عارفة تصدق اللي شايفه. ندهت بصوتها الحلو اللي مليان دهشة
آدم؟ إيه اللي بتعمله يا حبيبي؟ إيه الفلوس دي؟
قمت من مكاني وجريت عليها، وحطيت الفلوس في إيدها وقلت
دي مرتبك يا ماما، دي كل حقك، جبتها ليكِ، قلتلك إن هجيبها مهما كان!
ماما مسكتني في حضنها بكل قوتها، وبكت من الفرحة، وبكت من الصبر اللي طال كتير، وبكت من المفاجأة اللي ما كانتش تتوقعها أبدًا. شكرت الحاج منصور كتير، وكانت بتعيط ومش عارفة تقول إيه غير جزاك الله خيرًا، ربنا يبارك فيك وفي أولادك يا رب.
الحاج منصور قال لها بصوت حنون
ما تشكرينيش يا ست فاطمة، شكري لولدك ده، ده اللي جاب حقك بنفسه، ده اللي أثبت لنا كلنا إن الصدق والحق أقوى من كل فلوس ونفوذ. واحفظيه كويس، ده ولد هيكون له شأن كبير في الدنيا لما يكبر، إن شاء الله.
بعد ما مشينا من المكان، كنت ماشي جنب ماما وهي ماسكة إيدي، والدنيا كلها شايلة فرحة مش عارف أوصفها. شفت شريف واقف بعيد بيشوفنا واحنا ماشيين، وشكله كان مكسور ومحروق، عرفت إنه عرف إن القوة مش في الفلوس ولا في العربيات، إن القوة في إنك تكون مع الحق مهما كان صغير.
وفي الطريق قلت لماما
ماما، النص السنين ونص اللي كان فارق معايا، ده عشان كنت مستني أكون كبير كفاية عشان أقدر أساعدك، صح؟
ضحكت ماما ومسحت دموعها وقبلت راسي وقالت
أيوه يا حبيبي، ده النص اللي خلاك تعرف الحق من الباطل من غير ما حد يعلمك، ده النص اللي خلاك تكون راجل من غير ما تبلغ سن الرشد. ربنا يخليك ليا يا آدم، ويجعل كل تعبي فيك مكفور يا رب.
وعدتني ماما إننا هروح نشتري أكل من كل نوع بحبّه، وإننا هنسدد الفواتير اللي كانت متراكمة، وإنها مش هتشتغل عند حد بيأكل حقها تاني أبدًا. وكنت عارف إن كل حاجة هتتغير من النهاردة، مش عشان الفلوس، بس عشان عرفت إن مهما كنت صغير، ومهما كان الظالم كبير، ومهما كان الطريق صعب وطويل، الحق دايماً بيرجع لصاحبه، وإن اللي بيقف جنب الحق ربنا بيقف جنبه في كل وقت وحين.
ومن يومها كل ما كنت أسمع حد يقول الدنيا مش عادلة، كنت أفتكر يوم ما عديت وسط سبع رجالة، ويوم ما سألت أخطر راجل في القاهرة ليه محدش خلا شريف يدفع، ويوم ما رجعت لامك وحقها في إيدي، وكنت عارف إن الدنيا عادلة، بس أحيانًا بتستنى لحد ما نروح نطلب العدالة بنفسنا، مهما كان سننا صغير، ومهما كانت المخاطرة كبيرة.