امى اشتغلت 77 يوم من غير فلوس

لمحة نيوز

سنين كتير، كان عندي ولد في سنك بالظبط. ومات وهو صغير، ومراتي لحد دلوقتي بتعيط عليه كل ليلة. وكل يوم بيجيلي ناس كتير تطلب مني حاجات، ناس تطلب فلوس، ناس تطلب نفوذ، ناس تطلب أضرار بغيرهم. بس أول مرة يجيلي طفل صغير زيك، مايطلبش حاجة لغير حق أمه، ومايخافش ولا يتراجع، وجاي لوحده وسط كل ده.
رفع صوته شوية، وقال لواحد من الرجالة اللي واقف قريب
رواد، نادي لي الأستاذ شريف هنا، دلوقتي، ومش عايز أي حجج ولا أي أعذار. وخليه يجي وحده، وماياخدش معاه حد من بتوعه.
الراجل ركض من غير ما يقول كلمة، كأنه الريح شالته. وأنا قعدت جنب الحاج منصور، مكنتش عارف أفرح ولا أخاف، بس كنت حاسس إن حد كبير واقف جنبي، حاسس إن اللي ماما كانت بتقوله عن الحق مش كلام فاضي، إن الحق لما يجي لصاحبه ما يخافش من حاجة.
بعد ربع ساعة، جاء شريف. كان لابس بدلة غالية جدًا، وشكله متعجبر ومستفز، أول ما دخل بص للي حوليه بغضب، وبعدين شاف الحاج منصور قاعد، وفجأة تغير لون وشه كله، رمى نظرة عليا وأنا قاعد جنبه، واتحير شوية، مش فاهم إيه اللي بيحصل هنا، وإيه علاقة الطفل الصغير ده بالحاج منصور الحديدي.
قرب بخطوات بطيئة مترددة، وقف قدام الطاولة وقال بصوت حاول يخليه واثق بس فيه رعشة صغيرة مش قادر يخفيها
الحاج منصور... إيه المفاجأة الحلوة دي؟ كنت عايزني في حاجة؟ أمرك أنا تحت أمرك في كل حاجة.
الحاج منصور ما رفعش عينيه من الورق اللي في إيده، قال بصوت بارد زي الماء اللي جاي من بئر عميقة
شريف، تعرف مين الطفل ده اللي قاعد جنبي؟
شريف بص لي شوية، كأنه بيحاول يتذكر، وبعدين قال بسرعة
آه... أيوه يا باشا، ده ابن واحدة من العاملات عندنا في المطعم، اللي بتشتغل في التنظيف والتحضير، حاجة بسيطة مش مهمة.
ويعرف اسمها إيه؟
اسمها... يعني يا باشا عندي كتير من العاملين، مش كلهم بأسمائهم، بس هي اللي اسمها... فاطمة، صح؟ فاطمة محمد.
صح، فاطمة محمد. وكم ليها عندك شغالة؟
شريف ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال
مش كتير يا باشا، أيام قليلة، وناس بتجي وتمشي، ما يستمروش كتير، هي كمان شوية وتمشي.
ساعتها الحاج منصور رفع عينيه عليه، وبصله نظرة خلت شريف يرتجف مكانه، وقال بكل هدوء
الكلام ده عندي مكتوب هنا، 77 يوم، كل يوم من الساعة ستة الصباح لحد الساعة واحدة بعد منتصف الليل. وكل يوم بتقول لها أسبوع كمان. وكل يوم تركب عربيتك الغالية وتسوق وتقول لها كلام يخليها تترجاك ومش عارفة ترد عليك. وانت عارف كويس إنها ملهوش حد، وإنها محتاجة الفلوس دي عشان تعيش هي وابنها، وإنك مش عايز تدفعها عشان قولت في بالك ست ضعيفة ومش هتقدر تعمل حاجة.
شريف حاول يدفع الكلام وقال
لا يا باشا إيه الكلام ده؟ إيه الظلم ده؟ دي بتكذب عليك، دي عايزة تاخد فلوس أكتر من حقها، دي مش شغالة كويس، وكنت هعاقبها عشان كده، ومش عايزة تدفع غرامات عشان أخطاءها في الشغل!
ساعتها أنا قمت من مكاني وقفت قدامه، رفعت راسي لفوق عشان أقدر أشوف وشه، وقلت بصوت عالي وواضح
مش كده! ماما كانت بتشتغل أكتر من كل واحدة في المكان، وكل حد بيقول كده، وانت كنت بتقول لها كل يوم شغلك ممتاز يا فاطمة، استحملي شوية بس. ودي ورقة كل ساعة كتبتها، وماما ما بتكذبش أبدًا، ومش بتاخد حاجة مش حقها!
شريف بصلي بغضب وقال
إسكت يا ولد إنت مش عارف تتكلم، ومش عارف إيه اللي بيحصل هنا، اروح لمامتك الحقيرة دي!
قبل ما يكمل كلامه، سمعنا صوت الحاج منصور ضرب على الطاولة بقبضته، فارتجت الكبايات والصحون كلها، وصوتة طلع زي الرعد
إحترم نفسك وإحترم الناس قدامي! ولا تكرر كلمة زي دي تاني، لو عايز تخرج من هنا سليم.
سكت شريف فورًا، ابتلع ريقه، ومش عارف يتصرف إزاي، شاف إن الحاج منصور مش ماشي معاه بالكلام الحلو اللي هو متعود عليه مع الناس التانية.
الحاج منصور كمل كلامه ببطء، كل كلمة بتقطع زي السكين
اسمعني كويس يا شريف. أنا مش جاي هنا عشان أكون قاضي ولا جاي عشان أضرك، أنا جاي عشان الحق يرجع لصاحبه. دي السيدة فاطمة اشتغلت عندك 77 يوم، بتعمل شغل شاق ومتعب، وانت ما أديتهاش ولا قرش واحد. واللي يعمل كده مش صاحب شغل، ده سارق. والسرقة مش بس تاخد الفلوس من الجيب، السرقة إنك تاخد تعب الغلابة وتضيعه، وده أشد أنواع السرقة عند ربنا وعند الناس.
شريف حاول يتوسل وقال
يا باشا أنا آسف، والله ما كنت عايز كده، الظروف صعبة، والمصاريف كتير، وكنت مستني فلوس تجيلي وأدفع لها كل حاجة، والله ما كنت ناوي أكل حقها أبدًا!
كفاية كذب يا شريف. أنا عارف كل حاجة عنك، عارف كم ربحك في الشهر ده، وعارف كم عندك من فلوس في البنوك، وعارف إنك بتبعث فلوس لبره كل أسبوع، وعارف إنك مش ناقصك جنيه واحد. وانت مش خايف من ربنا، ولا خايف من حد، عشان كل الناس بتخاف منك أو بتاخد منك عشان تسكت. بس النهاردة لقيت
تم نسخ الرابط