امى وابويا ادو فلوس تعليمى لاختى
بدأت تعيط من أول ما شافتني، وقالت لي وهي بتعيط أنا آسفة يا ندى، آسفة جداً على كل حاجة عملتها فيكي، وعلى كل حاجة سمحت لهم يعملوها فيكي وأنا ساكتة. كنت خايفة منهم، وخايفة إنهم يلغوا فرحي، وخايفة من كل حاجة، فسكتت ورضيت أكون أداة في إيديهم، بس من يوم ما جينا لبيتك ورفضتي تعطينا الفلوس، بدأت أفكر كتير في كل حاجة، وعرفت إنهم خدعوني زي ما خدعوكِ، وإن الفرح ده مش هيعوضني إنني أكون خسرت أختي وأكون عملت كل ده ضدها.
حكت لي كل حاجة، كيف كانوا بيقولوا لها إنني أنا اللي غلطانة، وإنني طمعانة وإنني ما بحبهم، وكيف كانوا بيخدعوها بالكلام عشان توافق على كل حاجة، وكيف اكتشفت إن الديون دي قديمة من سنين، وإنهم استخدموا فرحها عشان يخدعوني وياخدوا مني فلوس تخلص ديونهم، وإنهم حتى كانوا مخططين إنهم ياخدوا الفلوس مني وبعدين يقولوا لي إنها ما كفيتش ويطلبوا مني أكتر.
قلت لها بعد ما خلصت كلامها أنا مش عاوزة أكرهك يا دنيا، وأعرف إنك كنتي تحت ضغط منهم، بس ده مش معناه إنك ما كنتش تعرفي إن ده غلط، وإنك ما حاولتيش تسألي أو تقولي كلمة حق في وقته. الجرح اللي في قلبي مش هيلتئم في يوم وليلة، بس أنا مش عاوزة أضيف جرح جديد، وإن كنتي عاوزة نكون أخوات مرة تانية، فده مش هيرجع زي ما كان فوراً، بس ممكن نبدأ من جديد بشرط واحد إنك ما تسمحش لهم يخدعوكِ تاني، وتكوني واضحة معايا في كل حاجة، وتعرفي إن الحق أهم من أي حاجة تانية.
دنيا وافقت بكل سرور، وقالت لي إنها هتقف جنبي في أي حاجة، وإنها هتقول الحقيقة لكل الناس عشان يعرفوا مين الغلطان، وإنها هتعمل كل حاجة عشان تصلح الغلط اللي شاركت فيه.
وبالفعل، دنيا بدأت تقول الحقيقة لكل الأقارب والمعارف، وقالت لهم كل حاجة حصلت، وكيف أهلي خدعوها وخدعوني، وكيف كل الكلام اللي كانوا بيقولوه عليا كان كذب وافتراء، والناس بدأت تعرف الحقيقة، وبدأت تندم على كلامها اللي قالته، وجات كتير منهم تعتذر لي عشان ظنوا السوء بيا من غير ما يعرفوا الحقيقة.
أما أبويا وأمي، لما عرفوا إن دنيا كشفتهم، غضبوا جداً وقطعوا علاقتهم بيها هي كمان، وقالوا لها إنها خانت زي ما أنا خنت، وإنها مش بنتهم، بس دنيا ما بقتش تهمها كلامهم، لأنها عرفت إن الحقيقة أهم من رضاهم، وإن رضا الناس غاية لا تدرك، وإن رضا ربنا هو اللي يهم في الآخر.
مرت شهور، وفرح دنيا اتعمل بس ببساطة، من غير أي مساعدة منهم، لأن العريس كان راجل طيب وعرف كل حاجة، وقرر يعمل الفرح زي ما يناسبهم من غير ما يحتاجوا لحد، وكنت موجودة في فرحها، وبعدت المسافات شوية بيننا، وبدأت نرجع نكون أخوات زي ما كنا نتمنى، بس بوعي أكتر وثقة أكبر في بعض.
أنا كملت حياتي مع كريم، وربنا رزقنا ببنت جميلة سميناها نور، وعلمتها إن الحق هو اللي لازم نتبعه مهما كان الثمن، وإن الأهل مهما كانوا غاليين، فما ينفعش نسمح لهم يظلمونا أو يخدعونا، وإن الكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا.
وبعد فترة، عرفت إن أبويا وأمي تعبوا كتير، وديونهم زادت ومحدش رضى يساعدهم، وبدأوا يفقدوا كل حاجة كانوا جمعوها من وراء ظلمهم للناس، وخصوصاً لي، وكنت أسمع عنهم من وقت للتاني، بس ما كنتش عاوزة أروح لهم ولا أتكلم معاهم، لحد ما جاتني رسالة من أمي تقول فيها إنها تعبانة جداً وعاوزة تشوفني قبل ما تموت، وإنها عاوزة تعتذر لي عن كل حاجة عملتها فيا.
ترددت كتير، وفكرت كتير هل أروح ولا لأ، وكريم قال لي إنه القرار راجع لي، وإن أي قرار أخذه هو هيساعدني فيه، فقررت أروح، عشان أريح قلبي وأعرفهم إنني سامحتهم عشان نفسي مش عشان هم يستاهلوا، عشان ما أحمل في قلبي كراهية لحد مهما عمل فيا، ولأن التسامح ده قوة مش ضعف.
دخلت عليهم البيت القديم اللي كنت عايشة فيه، وشفت أمي وأبويا متغيرين جداً، شعرهم أبيض ووجوههم مليانة خطوط التعب والندم، أول ما شافوني بدأوا يعيطوا، وقالوا لي آسفين آسفين على كل حاجة، وإنهم عرفوا غلطهم متأخر جداً، وإن الدنيا ما بتعطي حد حاجة بالظلم، وإن كل اللي عملوه فيا رجع لهم ضعف في حياتهم.
قلت لهم بهدوء تام أنا سامحتكم، عشان ربنا يسامحني، وعشان ما أضل أحمل في قلبي أي حاجة لحد، بس ده مش معناه إنني نسيت كل حاجة، ولا إن كل حاجة رجعت زي ما كانت. كل واحد فينا دفع ثمن أفعاله، وكل واحد بياخد جزائه في الدنيا والآخرة، واللي بيعمل خير بيلاقيه واللي بيعمل شر بيلاقيه.
طلعت من عندهم وقلبي كان مرتاح جداً، لأنني كنت خلصت كل اللي كان جوايا، وما بقتش أحمل أي حمل تاني، وعرفت إن ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً، وإن الصبر مهما طال بيجي ثماره، وإن الحق مهما طال عليه الزمن بيظهر في النهاية.
وبعد فترة قصيرة، توفت أمي، وبعدها بشوية توفي أبويا، وكنت موجودة في جنازتهم، وعملت لهم كل ما يلزم، لأنهم أبوي وأمي مهما عملوا، والحق يقال إنهم علموني كتير حتى لو بالطريقة الغلط، علموني معنى الصبر والتحمل، ومعنى الكرامة والثبات على الحق، ومعنى إن كل فعل له رد فعل، وإن ما حدش بياخد حاجة من غير ما يدفع ثمنها.
دنيا وأنا بقينا أقرب من أي وقت، وبقينا نعوض بعض كل اللي ضاع مننا في السنين اللي فاتت، وعلمت بنتي نور كل ده، عشان تعرف إن الحياة مش دايماً سهلة، وإن ممكن نلاقي ناس حتى من أهلنا يكسروا قلوبنا، بس ده مش معناه إننا نكسر أنفسنا، ولا إننا نتخلي عن مبادئنا، ولا إننا نكره الحياة، بل لازم نكمل ونبني حياتنا من جديد، ونكون أقوى من أي ظرف، ونعرف إن ربنا مع الصابرين دايماً.
والنهاردة وأنا قاعدة مع بنتي وجوزي، شايفة دنيا وأهلها، بحمد ربنا على كل حال، على ما مررت به من ألم وعلى ما وصلت له من سعادة، وعرفت إن كل حاجة حصلت كانت لخير، وإن اللي بيتكسر فينا مش بيموت، بل بيتقوى وبيبني من جديد، وإن الفرح الحقيقي مش في الفلوس ولا في المناصب، الفرح الحقيقي في الراحة النفسية والضمير الطاهر والقلوب اللي بتعرف تحب وتسامح وتقف جنب بعض مهما كانت الصعوبات.
وكل ما أتذكر البداية اللي كانت قاسية، أضحك وأقول لنفسي ده كان مجرد بداية لقصة أجمل بكثير، قصة تعلمت فيها معنى الحياة الحقيقي، وعرفت إنني أستاهل كل خير في الدنيا، وإن ربنا ما بيكسرش قلب إلا ليعوضه بأجمل مما كان يتمنى.