انا وبنت عمى

لمحة نيوز

بكل دقة وحذر، وكل لمسة إيده عليها كانت بتحس فيها بذنب ثقيل، لما خلص، سحبتوا الستارة، وغسل إيده وخلع ملابس العمليات، وبعد ما نقلوها لغرفة العناية المركزة، وقف عند الباب شوية مش عارف يدخل ولا يروح، لحد ما سمع صوت جارتها اللي كانت معاها جاية من بعيد يا دكتور ماجد.. ممكن أكلمك كلمة؟
امرأة ستينية طيبة الوجه، عرفها ماجد من لما كان صغير بيزور عمه، وقف قدامها وقال باحترام أهلاً يا حاجة فاطمة.. كيف حالك؟ وحال ولاء دلوقتي؟
الحمد لله على سلامتها وسلامة النونو يا بني، قالت وهي تمسح دمعة نزلت منها، كنت عايزة أقولك كلام، ومش عايزة حد يسمعه، عشان ما يظلمش حد ولا يظلمها هي كمان.. تعالى معايا شوية في الركن ده.
سار وراها لحد ما وقفوا بعيد عن الغرف، وقالت له بصدق واضح تعرف يا بني، من يوم ما طلقتها، رجعت لبيت أبوها، وكانت خايفة تقول لحد حاجة، خايفة تقول لأبوها ولا لأمها، خايفة يقولوا عليها كلام، خايفة تروح لحد وتقول إني حامل من راجل طلقني ومش عارف بحملي ولا لا.. كانت بتعيط لوحدها في أوضتها كل ليلة، وتقول لو عرف ماجد كان رجعني، ولا كان ظن فيا السوء، أنا كنت خايفة أقوله وهو غاضب مني..
ماجد بلع ريقه وقال بصوت ثقيل ولماذا لم تخبر أحد؟ لماذا صمتت؟
لأنك قلت لها كلام قاسي يا بني، ردت الحاجة فاطمة بكل عتاب، قلت لها إنها مبتخلفيش ومش هتخلفي، وإنك مش عايزها، وإن الحياة معاها باطلة.. هي كانت تعرف إنك طبيب، وتعرف إنك عارف إن تأخر الخلفة مش ذنبها، بس كانت خايفة إنك مش عايزها فعلاً، وإن الحمل ده هيشوفه حيلة منها عشان ترجعك.. فكرت إنك لو عرفت هتقول عليها كلام تاني، وهتكرهها أكتر.. فقررت تربيه لوحدها، وتقول للناس إنه ابنها وبس، وإنك ملكش دعوة بيه.. كانت بتقول هو حر، لو عايز يعرف ابنه فاهلاً وسهلاً، ولو مش عايز فأنا هكفيه حب الدنيا كلها..
سكتت شوية ثم كملت وكانت تعبانة جداً طول فترة الحمل يا دكتور، مكنتش بتاكل كويس من الحزن، وكل ما أشوفها أقول لها تروح تكشف عند دكتور، تقول لي مفيش حاجة، بس في الحقيقة كانت خايفة تروح لحد، خايفة يقولوا لها كلام، خايفة تواجه أي حد.. وكل ما كانت بتشوفك في التلفزيون أو تسمع أخبارك، كانت بتعيط وتقول ربنا يسامحه، هو ما يعرفش حاجة.. واليوم جات لي تعبانة جداً، والآلام بدأت، قلت لها نروح المستشفى، قالت لي مش عايزة، لحد ما سقطت من عينها، وعرفت إن لازم نجي، ومش عارفين نروح فين غير هنا، لأنها عارفة إنك بتشتغل هنا، وربنا أراد إنك تكون موجود..
كلامها كان بيدق في راس ماجد كالسياط، كل كلمة بتزيد شعوره بالذنب، كل تفصيلة بتوضح له كم كان قاسياً وغبياً، كم كان بعيداً عن فهم مشاعر اللي كانت أقرب الناس ليه، لحد ما قال بصوت متهدج وأنا ظنيت فيها كل ظن.. ظنيت إنها خانتني، أو إنها كانت بتخفي عني عشان حاجة تانية.. لم أتخيل أبداً إنها كانت خايفة مني.. خايفة من كلامي.. من قسوتي..
الخوف يا بني بيخلي الناس تعمل أشياء غريبة، وبيخليهم يصمتوا ويتحملوا ما لا يتحمله جبل، قالت له الحاجة فاطمة وهي تمسك بيده، الآن أنت عرفت الحقيقة، وابنك هناك، وولاء هناك، فأنت حر في قرارك، بس اتق الله فيهم، هما ملكش ذنب عندهم غير إنهم أحبوك.
سابته ومشت، وماجد بقي واقف وحيد في الممر، عيونه دمعت أول مرة من سنين، كان بيحب ولاء من صغره، كان بيعتبرها نص دينه، لما تزوجها كان أسعد راجل في الدنيا، بس لما تأخرت الخلفة، بدأت الكلامات تيجي من هنا وهناك، الأقارب والناس بتقول كلام يجرح، وهو بدأ يضغط عليها، بدأ ينسى إن الحب مش مرتبط بقدرة على الإنجاب، وصل لمرحلة إنه قال لها كلام ما كانش ينقال، وطلّقها من غير ما يسمعها، من غير ما يسأل، من غير ما يفكر للحظة إن ممكن يكون فيه حاجة غلط، أو إنها بتخفي عنه شيء خوفاً منه.
دخل لغرفة العناية المركزة ببطء، لقاها مستلقية وعيونها مغمضة، شاحب الوجه بس ملامحها هدأت، قعد على الكرسي جنب سريرها، مسك إيدها اللي كانت باردة، وقال بصوت خفيف ودموعه بتسيل سامحيني يا ولاء.. سامحيني.. أنا الغلطان.. أنا اللي قسيت عليكي.. أنا اللي ظلمتك.. ما كانش ينقالك كل ده.. ما كانش ينفع أسيبك لوحدك..
فتحت عينيها ببطء لما حست بلمسته، شافت دموعه، وابتسمت بضعف وقالت مش زعلانة منك يا ماجد.. عارفة إنك كنت متضايق.. وكنت خايفة أقولك.. خايفة..
لا تقلقي من شيء الآن، قطعها بسرعة، كل حاجة اتغيرت.. أنا هنا.. مش هسيبك تاني.. ولا هسيب ابني.. كل الحقوق اللي لكم عندي هتاخدوها، وأكتر..
مرت الأيام بسرعة، كان ماجد ما بيروحش من المستشفى إلا لساعات قليلة، بيجيب لها كل ما تحتاجه، بيتأكد من راحتها، وبيروح لابنه في الحضانة كل فترة، كان الطفل قوي بالرغم من كل الظروف، وسمّاه يوسف تيمناً بنبي الله اللي كان صبوراً ومظلوم وخرج من كل ضيق سالماً.
لما خدوا الإذن بالخروج، كان ماجد واقف بسيارة تحت المستشفى، ومعاه عربة أطفال جديدة، ولاء لسه
تم نسخ الرابط