الميليارديركان بيمثل انه مش قادر يمشى
فندم، والباقي فضلك عندك.
ذات يوم، كانت إلهام بتنظف جناح الضيوف القديم، ومروان كان بيمر من هناك بكرسيه، فشافها وهي بتقف على سلم خشبي عشان تغير ستارة عالية. السلم كان متذبذب شوية، ومروان قلبه وقع في مكانه لما شافها تتحرك بسرعة عشان تتوازن.
انزلي يا ست إلهام، السلم ده مش آمن. قال بسرعة.
هي نزلت بخطوات سريعة وقالت آسفة يا فندم، ما كنتش عايزة أزعجك، بس ما حدش غيري يقدر يعمل الحاجة دي دلوقتي.
هطلب من العمال يجوا يغيروها. قال وهو بيشاور للستارة. وما تطلعش على سلم عالي تاني، فاهمة؟ مش عايزك تتأذي.
إلهام بصتله بدهشة، لأن نبرة صوته كانت خالية من أي تعالٍ أو لوم، كانت بس نبرة خوف صادق. هزت راسها وقالت حاضر يا فندم، شكرًا لك.
من اليوم ده، بدأ مروان يتكلم معاها أكتر، يسألها عن شغل البيت، عن صحة لي لي، عن الأكل اللي بتحبه الطفلة. كانت إجاباتها دائمًا واضحة ومباشرة، وما كانتش بتجمل ولا بتكذب، وده كان شيء نادر جداً في الناس اللي كانوا حوله طول حياته.
لكن رغم كل ده، كان السر اللي بيخفيه ما زال يضغط عليه. هو قادر يمشي، هو سليم الجسم، لكنه اختار يعيش في الكرسي عشان الذنب اللي شايله على كتفيه. كان عارف إن في يوم لازم يواجه الحقيقة، لكنه ما كانش عارف منين يبدأ، ولا مين يصدقه، ولا حتى هل هو يستحق يعيش حياة طبيعية ولا لا.
الفرصة جت في يوم كان فيه اجتماع طارئ لمديرين الشركات الثلاث. كانوا مجتمعين في قاعة الاجتماعات الكبيرة، وكل واحد بيقرأ تقاريره، وكل الكلام بيدور حول خسارة كبيرة في صفقة استيراد كانت هتكلف الشركة ملايين الجنيهات. الكل كان بيبص لمروان بانتظار القرار، وعيونه بتعاطف معاه كأنه راجل مريض مش قادر يتحمل المسؤولية.
مروان كان بيسمعهم وهو ساكت، وكل كلمة بيقولوها كانت بتزيد من غضبه على نفسه. هو لسه يقدر يدير، لسه يقدر يفكر، لسه عنده العقل اللي بنى الإمبراطورية دي، لكن الكل اتعود يعاملوه كأنه عاجز، واتعود هو كمان يخدعهم ويخدع نفسه.
في اللحظة دي، سمع صوت لي لي بره القاعة، وهي بتقول لحد مش هادخل عشان بابا الكبير مشغول، بس هستناه لحد ما يخلص.
الكلام ده زي الصاعقة ضرب في دماغه. هو مش عاجز، هو مش مريض، ومش من حقه يخلي الطفلة دي تتعامل معاه كأنه شيء ضعيف محتاج رعاية. مش من حقه يخلي كل الناس اللي حوله يعيشوا في كذبة هو اللي ابتدعها.
ببطء، وبدون ما يحس بحركة من نفسه، أمسك بذراع الكرسي، وشد جسمه لفوق. عضلاته كانت ضعيفة من قلة الحركة، وارتجاف كان بيجتاح كل جسمه، لكنه استمر. دفع بكل قوته، ولأول مرة من تلات سنين، وقف على رجليه.
الصوت اتقطع في القاعة، وكل العيون اتجهت ليه بدهشة ورعب. مدير الشركة الأولى فتح بقه عشان يتكلم، لكن مروان رفع إيده عشان يسكته.
أنا قادر أمشي. قال بصوت واضح رغم الارتجاف اللي كان فيه. عرفتوا السبب اللي خليتني أخفي الحقيقة؟ الحادثة اللي ماتت فيها مراتي وبنتي... كنت أنا السائق. كنت أنا اللي اخترت الطريق، وكنت أنا اللي خرجت عايشة وهما راحوا. شعرت إنني مش مستحق أكون سليم، مش مستحق أخطو خطوة واحدة في الدنيا وهما ما خطوش خطوة واحدة.
سكت شوية عشان يقدر يتنفس، وكل الحاضرين كانوا بيسمعوه بتركيز ودموع في عيونهم. ما كانش حد يعرف التفاصيل دي، ما كانش حد يعرف مقدار الذنب اللي كان شايله على كتفيه.
عشت في الكرسي عقاب لنفسي. كمل كلامه. كنت فاكر إنني كده أكون مخلص لذكراهم، وإنني أستاهل الألم ده. بس الأيام الأخيرة، وعندما شفت براءة طفلة صغيرة، وعندما شفت كذبتي بتأثر على كل حاجة حواليا... عرفت إن العقاب ده مش بيريح حد، ولا بيرجع اللي راح. عرفت إن دينا كانت هتكره إنني أعيش كده، وإن جنة كانت هتضحك مني لو شافتني بعاقب نفسي عشان حاجة ما كانتش بيدي بالكامل.
حاول يخطو خطوة واحدة، لكن رجليه لم تحمله، ووقع على ركبتيه. قبل ما حد يقدر يتحرك، شاف لي لي داخلة بسرعة من الباب، وركضت ناحيته، وحضنتته بكل قوتها الصغيرة.
لا توقع يا سيد بيت النجوم. قالت وهي بتدفي وشها في صدره. أنا معاك، هنساعدك تقف تاني.
في نفس اللحظة، دخلت إلهام وراها، ووقفت بجانبه، مدت له إيدها وقالت بصوت هادي وثابت الذنب مش حياة كلها يا أستاذ مروان. اللي راح راح، واللي باقي يستاهل تعيشه. تعالى، نوقف مع بعض.
مروان رفع عينيه لقاب إلهام، وبص للي لي اللي لسه محضنته، وحس بكل الأعباء والذكريات والآلام اللي كانت شايلها لسنين تتناقص وتخف. مسك بإيد إلهام، وسند على كتفها، وبمساعدة لي لي الصغيرة، قدر يقف على رجليه مرة تانية. لم يكن قادراً يمشي بسرعة، ولم يكن قادراً يتحرك بسهولة، لكنه وقف. وده كان أهم شيء.
بعد كده، مرت أشهر كتلة، ومروان كان بيمشي ببطء على طريق التعافي الحقيقي. ذهب لأفضل الأطباء، وبدأ برامج تأهيل مكثفة، وكل يوم كان بيمشي مسافة أطول من اللي قبلها. ما كان بيمشي عشان ينسى، ولا عشان يتناسى، كان بيمشي عشان يصير يستحق النعمة اللي لسه معاه، وعشان يصير الشخص اللي دينا كانت
تتمناه، والأب اللي كانت جنة هتفتخر به.
فتح أوضة جنة في يوم من الأيام، لم يكن سهلاً، وبكى طويلاً لما دخلها، لكنه نظفها ورتبها، وحط فيها ألعاب وصور، وجعلها مكان مفتوح لكل طفل محتاج. تبرع بمبالغ ضخمة لمستشفيات الأطفال، وبنى مدارس في المناطق الفقيرة، وساعد عشرات العائلات اللي كانت تعاني من الفقر. كان بيقول دائماً الخير اللي بعمله ده مش تبرع، ده دين لسه بدفعه لروح بنتي اللي ما عاشت تاخد نصيبها من الدنيا.
علاقته بإلهام كانت مبنية على الاحترام المتبادل والثقة والصدق، لم تكن فيها أي ، بل كانت علاقة أهل بيت جمعهم الحزن ثم الأمل، وكل واحد كان بيدعم التاني في محنته. لي لي كانت صارت زي بنته له، كان بياخدها للمدينة، بيلعب معاها، بيعلمها، وبيحكي لها عن جنة وعن دينا، عشان الطفلة الصغيرة تحس إنها مش وحيدة، وإن في ملائكة بتحميها من فوق.
ذات ليلة، كانت لي لي نائمة في حضنه على الشرفة الكبيرة، وهما بيبصوا للنجوم اللي لامعة في السماء الواسعة.
شايف النجوم دي يا لي لي؟ سألها وهو بيشاور لفوق.
أيوه، كتير قوي. قالت وهي بتتثاءب.
كل نجمة منهم حد بيحبنا وبيشوفنا من فوق. قال وهو يضحك بخفة. جنة ودينا معاهم هناك، وكل ما نحس بالوحدة ننظر لهم، ونعرف إنهم معانا.
لي لي رفعت عينها ليه وقالت يعني بيت النجوم ده في السماء؟ وهنا معاك؟
بيت النجوم هو المكان اللي فيه ناس بنحبهم يا حبيبتي. رد وهو يقبل جبينها. وأنا دلوقتي عندي بيتين واحد هنا، وواحد هناك.
ومن ذلك اليوم، لم يعد القصر قصر الهلالي، ولا قصر الملياردير المريض، بل صار كل من يعرفه يسميه بيت النجوم. أبوابه كانت مفتوحة لكل محتاج، ونوافذه كانت دائماً مفتوحة للشمس والهواء، وصدى الضحك كان يملأ كل ركن فيه. مروان لم ينسى الماضي، ولن ينساه أبداً، لكنه تعلم أن الحياة لا تتوقف عند الخسارة، وأن الأمل يمكن أن يأتي من حيث لا نحتسب، حتى لو كان على شكل طفلة صغيرة بفستان أصفر قالت له ذات يوم محظوظ.
لقد مشى مروان الهلالي أخيراً، ليس على رجليه فقط، بل على طريق السلام النفسي والتصالح مع الذات، ووجد في الحب والخير ما لم يجده في الملايين والمناصب. وعرف في النهاية أن أجمل بيت هو الذي يملأه الحنان، وأن أسمى نجوم هي تلك التي تضيء قلوبنا عندما نظن أننا فقدنا كل طريق.