الميليارديركان بيمثل انه مش قادر يمشى

لمحة نيوز

واحد لو كانت عاشت، كانت هتقول له كلام زي ده؟ كانت هتجري في الممرات دي وتضحك؟ كانت هتخليه يحس إنه ساكن في بيت، مش في قبر فخم؟
في الأيام اللي بعد كده، القصر اللي كان ساكت لثلاث سنين بدأ يتغير ببطء مش محسوس. أول ما كانت الشمس تطلع، مروان كان بيسمع صوت خفيف من تحت صوت ضحكة صغيرة، صوت خطوات خفيفة على الرخام، صوت إلهام بتكلم بنتها بصوت هادي وهي بتعلمها الحروف أو بتعطيه الفاكهة. ما كانش بيسمعهم بوضوح، بس وجودهم كان كفيل يخلي الهواء الثقيل اللي كان ساكن في القصر يخف شوية.
إلهام كانت حريصة أشد الحرص على ما تزعجه. كانت بتخلي لي لي تلعب في الحديقة الخلفية البعيدة، أو في المطبخ لما بتكون مشغلة، وكل ما كانت بتصادفه في الممر كانت بتخفض راسها وتقول السلام عليكم يا فندم وتمشي بسرعة. لكن لي لي ما كانتش تعرف الخوف ولا الاحترام الزائد للمراكز. كانت كل ما شافته من بعيد بتقف وتبص له، ومرات كانت بتقول له صباح الخير يا سيد بيت النجوم وبعدين تجري ورا أمها قبل ما يرد عليها.
مروان كان بيجلس في مكانه ساعات طويلة، وبيحاول يفهم سبب ارتياحه للطفلة دي بالذات. هي مش شبه دينا، ولا شبه الصورة اللي كان بيتخيلها لجنة. كانت لي لي أطول شوية، وشعرها أشقر فاتح، وعيونها بنية داكنة بتلمع بذكاء غريب. لكن في طريقتها في النظر للدنيا، في البراءة اللي ما اتأثرت بشيء بعد، كانت تشبه كل الأشياء اللي كان بيحبها واختفوا.
في يوم من الأيام، الجو كان غائم، والرياح كانت بتضرب الشبابيك الكبيرة. مروان كان قاعد في الصالة الكبيرة، بيبص للبيانو اللي عليه طبقة تراب، وفجأة سمع صوت خطوات صغيرة قربة منه. لف بكرسيه ولقى لي لي واقفة قدامه، وماسكة في إيدها قطعة قماش ملونة.
إنت مش بتلعب يا سيد بيت النجوم؟ سألته وهي بتقرب خطوة صغيرة.
مروان هز راسه ببطء. لا يا لي لي، مش بلعب.
وليه؟ مش عايز؟ ولا مش عارف؟
سألته ببساطة خلت قلبه ينقبض. ما حد سأله السؤال ده من سنين. الكل كان بيفترض إنه مش عايز، أو إن حالته تمنعه، ولا حد فكر يسأله ليه بالظبط.
أنا... مش عارف من غير ما أتذكر. قال بصوت ضعيف.
لي لي بصتله كويس، وبعدين مدت إيدها الصغيرة ومسكت إيده اللي كانت موضوعة على ذراع الكرسي. إيدها كانت دافئة وناعمة، وملمسها خلاه يحس بحرارة تطلع من تحت الجلد لتحت.
تعالى معايا. قالت وهي بتشد إيده برفق. هوريك حاجة حلوة.
مروان كان قادر يقول لها لا، كان قادر ينادي على أمها، كان قادر يطلب منها تروح من قدامه. لكن في اللحظة دي، إرادته اللي كانت حديد لثلاث سنين ذابت كالشمع. سابها تشد إيده، وحرك الكرسي وراها لحد ما وصلوا للشباك الكبير اللي بيطل على الحديقة.
بص. قالت وهي بتشاور بيدها للتحت. العصافير جت تاكل من الحبوب اللي حطيتها ماما النهاردة. شايفها؟ دي عصفورة لونها أصفر زي فستاني.
مروان بص للحديقة، وشاف العصافير الصغيرة اللي بتتطاير حول صينية الحبوب، وبعضها بيلقط حبة ويروح يطير بيها لبعيد. الشمس كانت بدأت تطلع من وراء الغيوم، واشعتها كانت بتضرب على أجنحة العصافير فتلمع زي الذهب.
أيوه يا لي لي، شايفها. قال بصوت هادي. حلوة قوي.
كانت ماما تقول إن العصافير بتروح للأماكن اللي فيها قلوب مفتوحة. قالت وهي ترفع عينها ليه. هي جت هنا عشان قلبك فتح شوية؟
الكلام ده خلا دموعه تجمع في عينيه، واضطر يغمض عينيه شوية عشان ما تطلعش. ما كانش عارف يرد، فبسكت، وفضلوا الاتنين يبصوا للعصافير ساعة كاملة من غير ما يتكلموا. ولما راحت لي لي في النهاية، بقي مروان قاعد وحيد، وحس إن شيء ثقيل كان على صدره بدأ يتحرك أول مرة.
بعد كده، كانت اللقاءات دي تتكرر بانتظام. مرات كانت لي لي تجيبه بزهرة لقطتها من الحديقة، ومرات كانت تحكيله قصة خيالية اخترعتها من دماغها، ومرات كانت بس تجلس قدامه وتلعب بدميتها الأرنب من غير ما تتكلم، وكفاية عليها إنه يكون موجود. إلهام كانت في البداية قلقة قوي، وخافت إن الطفلة تزعجه أو يغضب منها، لكن لما شافت ابتسامة خفيفة بتظهر على وشه أول ما بيشوفها، طمن قلبها وبدأت تتركهم على راحتهم.
في نفس الوقت، كانت إلهام بتقوم بشغلها بامتياز. نظفت القصر من أوله لآخر، غسلت الستاير القديمة اللي كانت مقفولة نص قفلة، وفتحت الشبابيك كلها عشان الهواء والشمس تدخل. نظفت البيانو ومسحت التراب عنه، ورتبت أوضة المعيشة الكبيرة، وحطت زهور طبيعية في كل ركن. القصر اللي كان زي المتحف الميت بدأ يعود بيت من جديد، ورائحة التراب والقدم اتغيرت لرائحة النعناع والياسمين والهواء الطلق.
مروان كان بيلاحظ كل ده، وكان بيلاحظ كمان مدى كفاح إلهام وصدقها. عرف من الحاجة أمينة إن زوجها مات في حادث شغل من أربع سنين، وسابها بدون معاش ولا مساعدة، وإنها كانت بتشتغل في بيوت كتير عشان تجمع مصاريف العلاج للي لي اللي كانت تعاني من ضيق تنفس في الصغر. كانت ست قوية، صبورة، وما كانتش تطلب حاجة زيادة على حقها، وكل ما كان بيعطها زيادة كانت ترفضها وتقول أنا خدت أجرتي يا
تم نسخ الرابط