بعد ساعات من دفن جوزى
والقائد اللي كان في المقدمة، وهو لواء كبير، مشي نحوي بسرعة، وقف قدامي، وقال بكل احترام
اللواء سامي عبد العزيز، قائد القطاع السري، وصلنا بأوامر مباشرة من القيادة العامة، لتوفير الحماية الكاملة لكِ وللسيد الجنين، ولنقل المكان الخاص بكِ فوراً سيدتي العقيد.
أهل جوزي كانوا واقفين خلف الباب، ومش عارفين يصدقوا اللي شايفينه. نادية كانت بتفتح عينها وتقول
العقيد؟ إيمان؟ ده أنتِ؟ أنتِ بتقولي إيه؟ ده إيه الكلام الفاضي ده؟
كريم كان متمسك بالحائط عشان ما يقعش، وحمايا كان بيحك عينيه كأنه بيحلم، وحماتي قالت بصوت ضعيف
أنتِ ضابطة؟ وأنتِ في رتبة عقيد؟ من امتى ده؟ واحنا ما نعرفش حاجة؟
ابتسمت ببرود، وقلت بصوت واضح وصل لهم كلهم
من عشر سنين، من قبل ما أعرف أحمد. ده كان واجبي، وده كان سر اتفقت عليه مع ابنكم، عشان ما حد يتدخل في شغلي، وعشان نعيش حياتنا بسلام. كنت عايزة أقولكم، لكن خفت من رد فعلكم، وخفت من إنكم تضايقوني أو تطلبوا مني أشياء مش من حقي، أو تتدخلوا في أمن البلد.
اللواء سامي بص لهم بحدة، وقال
هل تعلمون أن رتبة العقيد تعني سنوات من التضحية والخدمة السرية، ومسؤولية كبيرة جداً؟ وأن السيدة إيمان كانت تعمل في مهام تحمي أمن واستقرار هذا البلد، وبتتعرض لأخطر المواقف كل يوم؟ وأنها لم تتخلى عن خدمتها حتى بعد وفاة زوجها الشهيد، بل كانت تجمع بين واجبها تجاه بلدها وواجبها تجاه زوجها وولدها؟
سكت الكل، ولا حد قدر يرد. كنت شايفة في أعينهم الصدمة، والخجل، والندم اللي جاء متأخر جداً. نادية كانت بتبكي بصمت، وحماتي كانت بتقول بصوت متقطع
سامحيني يا بنتي سامحيني، ما كنتش أعرف، ما كنتش أتخيل إنك تكوني بهذا القدر من العظمة والكرامة كنا فاكرينك ضعيفة، فاكرينك محتاجة لنا، وطلعنا إحنا اللي محتاجين نعرف قيمتك.
لكن أنا كنت مش عايزة كلام دلوقتي، كنت عايزة أوضح لهم الحقائق كلها، من غير زيادة ولا نقصان. قلت لهم
أنا ما كنتش عايزة أظهر قوتي عليكم، ولا أستخدم منصبي ضدكم، لكنكم أجبرتوني. طردتوني وأنا حامل في الشهر السادس، عشان تعطوا مكاني لشخص طماع ما لوش حق فيه. تناسيتوا إن البيت ده مش لكم، ده بيت أحمد، واشتراه من فلوس تعبه وشقائه، وتركه لي ولولده اللي جاي. وتناسيتوا إن لله حق في العدل، وإن للدولة كلمتها في كل حق مسلوب.
بعدين أشرت للملف اللي كان في الشنطة، وقلت
هنا الأوراق الرسمية، ووصية أحمد اللي سجلها في الشهر العقاري، وكل ما يثبت إن كل ما يخصه هو لي ولولدي، ولا حق لأحد فيه. وكل ما قلتوه عن إنكم تريدوا المصلحة العامة، ده كلام فارغ، هدفكم بس الطمع والاستحواذ.
اللواء سامي أشار للجنود، وقال
احفظوا المكان، ولا تسمحوا لأحد يأخذ أي حاجة من البيت إلا بتصريح رسمي. والآن سيدتي العقيد، نحن جاهزين لنقلك للمكان الآمن.
لكن وقفت شوية، وبصيت لهم، وقلت بلهجة حازمة لكنها مش قاسية
أنا مش عايزة أخذ حقي بالقوة، ولا عايزة أدخلكم في مشاكل قانونية تدمروا بقية حياتكم. أنا بس عايزة كل واحد ياخد حقه، وكل واحد يتنازل عن ما ليس له. البيت ده سيبقى لي ولولدي، لكن لكم حق الزيارة في أي وقت تريدوا، ولن أحرمكم من رؤية حفيدكم. لكن من الآن فصاعداً، أتمنى إنكم تعرفوا تتعاملوا مع الناس بكرامة، وتعرفوا إن الظلم مهما طال عمره، نهايته دايماً ظاهرة.
كان الكلام ده صعب عليهم، لكنه الحق اللي لازم يسمعوه. نادية جات نحوي، ومسكت يدي، وبكت وقالت
أنا آسفة جداً يا إيمان آسفة على كل كلمة قلتها، وكل فعل عملته. كنت غبية، وكنت بصدق كلام كريم اللي كان بيقولك ضعيفة ومش معاكِ سند. لو كنت عرفت الحقيقة من أول مرة، ما كنتش فكرت أضايقك ولا حتى في حلم.
كريم كان واقف بعيد، ومش عارف يقرب، لكنه قال بصوت خافت
أعتذر منكِ يا سيدتي العقيد، لم أكن أعرف، وكنت أخطأت في تقديرك تماماً. سأنسحب من الموضوع ده كله، ولن أطلب أي شيء لا لي به حق.
حمايا وحماتي قربوا، وحماتي حضنتني ببطء، وقالت
سامحينا يا بنت أحمد، سامحينا على ما فعلناه. كنا عميان، والله فتح أعيننا دلوقتي. من النهاردة، أنتِ بنتنا قبل ما تكوني مرات ابننا، وكل اللي لكِ لنا، وكل اللي عليكِ علينا.
دموعي نزلت مرة تانية، لكن المرة دي كانت دموع راحة وغفران. لأن الحب والدم ما بينا ما ينقطع بالظلم، لكن لازم يصحح بالحق والعدل. واتفقنا على كل شيء، وقرروا إنهم هيعملوا كل اللي عليهم عشان يرضوني، وعشان يعوضوني عن الأيام الصعبة اللي مروا بيها.
ركبت السيارة العسكرية، وبجانبي الشنطة اللي فيها كل ذكرياتي، وكل أوراقي، وكل مستقبلي. ونظرت لهم من الشباك، ولقيت كلهم واقفين ينظرون لي باحترام وحب، وكأنهم أول مرة يشوفوني حقاً. والسيارة انطلقت ببطء، ومعاها بدأت رحلة جديدة، رحلة مليانة بالكرامة والأمان، ورحلة أكون فيها أنا، العقيد إيمان فؤاد، الأم، والزوجة، والابنة، والجندية، كلها في شخص واحد، قوية بفضل الله، ومستعدة لكل ما هو قادم.
وصلنا للمكان الآمن، وهو فيلا فخمة ومؤمنة تماماً في منطقة مراقبة، مجهزة بكل ما أحتاجه، وكل ما يحتاجه الجنين. وهناك وجدت كل ما أتمناه، راحة البال، والشعور بالانتماء، والشعور إنني لم أكن وحيدة أبداً.
وبعد أيام، جاءوا أهل أحمد لزيارتي، وجابوا معاهم كل الحاجات اللي كانت لأحمد، وقالوا لي كل ده ليكِ، عشان تفضلي تتذكريه، وعشان تربّي ولده على صفاته.
وبعد شهور قليلة، وضعت طفلي، وسميته أحمد تيمناً بوالده، وكان أجمل هدية أخذتها من الدنيا. وحضر الاحتفال كل القيادات العسكرية، وأهل العيلة، والكل كان مبسوطاً بي، وبي الطفل اللي جاب الفرحة مرة تانية للبيت اللي كان مليان حزن.
وبقيت أخدم بلدي بكل ما أملك، وابني يكبر وهو يعرف قيمة أمه، وقيمة والده الشهيد، وقيمة الوطن اللي نعيش فيه. وأهل جوزي بقوا أقرب الناس لي، وبقوا يحترموني ويقدروا تضحياتي، وكل ما يتذكروا ما فعلوه بي في أول الليلة، يقولوا الحمد لله اللي كشف الحقيقة، وهدانا للحق، وجعلنا نعرف قدر من نحبهم.
وهكذا انتهت القصة، مش بثأر ولا بكراهية، لكن بالحق والعدل، وبالغفران اللي هو أسمى معاني الإنسانية. لأن القوة الحقيقية مش في إنك تنتقم ممن ظلمك، لكن في إنك تثبت إنك تستحق الخير، وإنك تقدر تعطي الفرصة للتوبة لمن يستحقها، وتكمل طريقك بكل ثقة وكرامة، عشان ترفع رأسك ورأس من تحبهم فوق كل رأس.
تمت القصة بحمد الله وفضله