بعد ساعات من دفن جوزى
المحتويات
وقفت لحظة ونظرت لصورة أحمد اللي كانت معلقة على الحائط. ابتسمت لها بصمت، وكأني بقول له شوف يا حبيبي، هم فاكرينهم كسبوا، لكن الحقيقة إنك كنت دايماً معايا، وكل خطوة كنت بتعملها كانت بتحميني. ثم نزلت عيناي على بطني، ومديت يدي بحنان، وقلت بصوت خفيف جداً اصبر شوية يا روحي، ساعات قليلة وكل حاجة هتتغير، وكل حد هيعرف إننا مش لوحدنا.
نزلت السلالم ببطء، والشنطة في يدي، والجو كان بارد جداً، ريح الشتاء كانت بتدخل من الشبابيك المفتوحة، وكأن البيت نفسه بيعتذر عليا. حماتي كانت قاعدة في الصالة، بتشرب شاي، ولما شافتني قالت بلا مبالاة
الباب مفتوح، انزلي عشان متتعبش نفسك.
حمايا كان قاعد جنبها، بيشاور في التليفزيون، ولا حتى رفع عينه ليا. كأني كنت قطعة أثاث زائدة، أو ضيف جاء يزورهم وطال بقائه.
عند باب الجراج، وقفت شوية. الباب ده كان كبيراً ومصنوعاً من الحديد القديم، وريحة العفش والزيت القديم كانت بتطلع منه. لما فتحته، لقيت المكان ساقعة جداً، الأرضية أسمنتية باردة، والريح بتدخل من الفتحات الصغيرة فوق، ومش فيه غير مصباح ضعيف بيعطي ضوء أصفر باهت. في ناحية كان فيه كرسي خشبي مكسور، وطاولة قديمة، وبعض الصناديق الخشبية اللي مليانة أشياء مهملة.
دخلت، وحطيت الشنطة فوق أحد الصناديق، وجلست على الكرسي بحذر عشان ما يقعش. كانت الساعة تقريباً الخامسة والربع صباحاً، والدنيا لسه سوداء، ولا حد في الجوار بيصحى. كنت وحيدة، لكن مش حقاً وحيدة. شغلت الموبايل، ولقيت رسالة واصلة من الرقم السري اللي ما يعرفه إلا القيادة، مكتوب فيها المرافقة في الطريق، ستصل في الساعة السادسة تماماً، لا تقلقي، الأوامر واضحة.
دمعة نزلت من عيني، لكن مسحتها بسرعة. مش دمعة ضعف، لا، دمعة شكر واطمئنان. تذكرت يوم ما اتجوزت أحمد، وقلت له عن شغلي السري، وقلت له مش عايزة أضطر أتخلى عنه، ده جزء مني، وده واجبي تجاه بلدي. هو حضني وقال لي أنتِ أحسن ما خلق الله، وكل حاجة بتعمليها بفخر، وأنا سأحفظ سرك لآخر نفس فيا. وفعلاً حفظه، حتى مع أهله ما قال لهم كلمة واحدة، عشان ما يخليهم يضايقوني، وعشان يريحني من أسئلتهم المزعجة.
كنت عارفة إن أهله مش هيفهموا، وإنهم كانوا هيعتبروا شغلي ده شيء غريب، أو مش مناسب لمرات ابنهم، أو حتى هيسألوا عن الفلوس والمناصب ويتدخلوا في ما لا يعنيهم. فالصمت كان أفضل حل، وريحني لسبع شهور كاملة، لكن للأسف استخدموا صمتي كضعف، واستخدموا طيبتي كحق لهم في التعدي عليا.
بينما أنا جالسة في الجراج، كنت بسمع أصواتهم فوق في البيت، نادية كانت بتضحك بصوت عالي، وكريم كان بيتصل بحد ويقول المكان جاهز، تعالى بكره نبدأ نرتبه، الحمد لله مش واجهنا أي مشكلة، الأرملة سمعت الكلام زي ما قلتلك. وحماتي كانت بتقول أحسن كده، نخلص منها بسرعة، ونعرف نرتب أمور البيت والورث قبل ما حد يفكر يتكلم.
كلامهم كان بيقطع القلب، لكن كنت مستعدة له. كنت عارفة إنهم بيفكروا في الورث والمال بس، وإنهم نسوا إن أحمد كان له ولد جاي في الطريق، وإن الشرع والقانون بيقول كلمتهم في كل حاجة. لكن ده مش أهم حاجة دلوقتي، أهم حاجة إنهم يعرفوا إنهم مش فوق القانون، وإن كل فعل ليه رد فعل، وإن اللي بيتعدى على حقوق الناس مهما كان قريب، لازم يلقى جزاءه.
مرت نص ساعة، والجو بدأ يتغير، ألوان السماء بدأت تتحول من السواد للرمادي الفاتح، وبعدين لون برتقالي خفيف بيظهر من جهة الشرق. مع كل دقيقة بتمر، كنت بسمع صوت المحركات بيقرب أكتر وأكتر، صوت مميز، صوت العربيات العسكرية الثقيلة، اللي ما بيتشابهش مع أي عربية تانية.
فوق في البيت، نادية كانت نزلت تشرب ميه، ولما سمعت الصوت قالت بصوت عالي
يا سلام، ده إيه ده؟ صوت عربيات كتير بره، مين اللي جاي في الوقت ده؟
حماتي ردت عليها
يمكن ضيوف لجوزك، أو ناس من شغله، قولي له يطلع يتأكد.
كريم طلع للباب، ولما شاف بره، تجمد مكانه، وفتح فمه من الدهشة، ومش عارف يتكلم. لقيت أمامه شارع كله مليان عربيات جيش، أربع عربيات مصفحة، وعربيتين للقوات الخاصة، وسيارة سوداء فخمة بتكون للضباط الكبار، والأنوار العسكرية كانت بتشع بضوء أزرق وأحمر، وكل الشارع كان مظلوم بالصوت والضوء.
نادية جات وراه، ولما شافت نفس المشهد صرخت
إيه ده يا كريم؟ ده جيش؟ جايين ليه هنا؟ عملت حاجة غلط في شغلك؟
كريم كان مش قادر يرد، قلبه بدأ يدق بسرعة، وتذكر كلام الناس اللي قالوه له إن شغله فيه شبهات، وإن ممكن يكون فيه مشاكل قانونية، لكنه ما توقعش إن الموضوع يوصل لدرجة إن الجيش يحاصر البيت كله.
حماتي وحمايا نزلوا بسرعة، ولما شافوا المنظر ده، وجههم تحول للون الأبيض، وحمايا قال بصوت مرتجف
معقولة؟ ده جايين لنا؟ ولا إيه اللي حصل؟ أحمد كان في الجيش، لكن هو مات، فإيه اللي جابهم دلوقتي؟
في نفس الوقت، نزلت أنا ببطء من مكاني، وفتحت باب الجراج، وطلعت للشارع. مع أول خطوة لي، وقف كل شيء، صوت المحركات هدأ، والضباط اللي كانوا نازلين من العربيات وقفوا في أماكنهم، وبعدين سمعت صوت واضح
تحية للعقيد إيمان فؤاد!
كل الضباط والجنود وقفوا بوقفة الانتباه، ورفعوا أيديهم بتحية عسكرية كاملة،
متابعة القراءة