بعد ساعات من دفن جوزى
بعد ساعات من دفن جوزي... حماتي طردتني أنا وجنيني للجراج عشان جوز بنتها ياخد أوضتي، لكن مع أول ضوء نهار عربيات الجيش حاصرت البيت... والسبب كان صدمة عمرهم!
الجزء الأول
بعد كام ساعة بس من دفن جوزي، حماتي بصت على بطني اللي فيها ابني، وقالتلي ببرود إني أنزل أنام في الجراج الساقعة... كل ده عشان جوز بنتها الغني كان عايز ياخد أوضتي يعملها مكتب ليه.
كانوا فاكرين إنهم بيكسروا أرملة غلبانة، مالهاش حد ولا سند.
لكن ماكانوش يعرفوا إن مع أول خيط نور، عربيات جيش مصفحة وقوات خاصة هتحاصر البيت...
مش عشان جوزي الله يرحمه...
لأ... عشاني أنا.
لأنهم كانوا بيستهينوا، بقالهم سنين، بضابطة كبيرة في الجيش من غير ما يعرفوا حقيقتها.
الجزء الأول
اسمي إيمان فؤاد...
وعيد العيلة السنة دي كان اليوم اللي فهمت فيه نظرة أهل جوزي ليا بجد.
الساعة كانت خمسة ودقيقتين الفجر لما موبايلي رن.
كانت نادية، أخت جوزي.
صوتها كان بارد كالتلج.
قالت بابا وماما وصلوا... إحنا محتاجين أوضتك. لمي حاجتك وانزلي نامي في الجراج.
وقفت مكاني في المطبخ.
إيد على بطني اللي في الشهر السادس...
والتانية ماسكة مج القهوة.
ولابسة تيشيرت قديم كان بتاع أحمد... جوزي.
آخر حاجة كانت مخلية ريحته حواليا من يوم ما مات.
بصتلها مذهولة وقلت بهدوء
الجراج؟! ده ساقعة جدًا.
حماتي حتى ما رفعتش عينها من فنجان القهوة.
أما حمايا، قفل الجرنال وهو بيتنهد، وبصلي كأني حمل تقيل عليهم.
وقال بمنتهى البرود
سمعتي اللي اتقال... بلاش تمثيل.
الكلام وجعني أكتر مما توقعت.
بصيت حواليا في المطبخ بالراحة.
البيت ده...
ماكنش أي بيت.
ده بيت أحمد.
هو اللي اشتراه.
وهو اللي تعب وشقي عشان يبنيه.
واحنا الاتنين رسمنا فيه أحلامنا ومستقبلنا.
لسه ماكملش سبع شهور على وفاته...
ومع ذلك كانوا بيتصرفوا كأنه عمره ما كان موجود.
بعدها بدقايق دخلت نادية، لابسة روب شيك، ووراها جوزها كريم، بابتسامة كلها غرور واستحقاق.
قالت وهي بترتب هدومها
دي حاجة مؤقتة... كريم محتاج أوضتك يعمل فيها مكتب يشتغل منه.
وبعدين بصت على بطني وقالت بسخرية
وبصراحة... كلنا تعبنا من الحزن اللي إنتِ عايشة فيه.
ضحك كريم وقال
يلا شيلي حاجتك بسرعة... ومتوقفيش عربيتي.
سكت الكل.
ولا حد دافع عني.
ولا حتى حد حس بالإحراج.
كلهم كانوا بيفتخروا بأحمد...
ويحكوا للناس إنه كان ظابط محترم وخدم بلده بشرف.
لكن...
كان في حاجة عمرهم ما عرفوها.
أنا كمان كنت بخدم في الجيش.
وقبل ما أعرف أحمد بسنين...
كنت بنيت مشواري العسكري بنفسي.
شغل سري...
ومهام ممنوع أي حد يعرف عنها حاجة.
ولما اتجوزنا، أنا وأحمد اتفقنا إن شغلي يفضل سر.
بالنسبة لهم...
أنا مجرد مرات أحمد الهادية، موظفة حكومة عادية.
وعمري ما صححتلهم الفكرة دي.
لأن ده كان أريح.
وحتى بعد وفاة أحمد...
أنا مكملتش حياتي بس...
أنا كملت خدمتي كمان.
رتبتي...
ومهامي...
وسلطتي...
كلها كانت محمية بسرية تامة.
عشان كده...
كل مرة كانوا يبصولي فيها...
ماكانوش شايفين ضابطة كبيرة.
كانوا شايفين أرملة مكسورة، مالهاش مكان تروحه.
بصيت ل نادية...
وبعدين ل كريم...
وبعدين لحماتي وحمايا.
ولا واحد فيهم حوّل عينه.
ابتسمت...
ابتسامة صغيرة جدًا...
ومسيطر عليها.
وقلت بكل هدوء
حاضر.
ابتسموا هما كمان...
مفتكرين إنهم كسبوا.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه...
إن قبل المكالمة دي بساعة، كان وصلني إخطار عسكري سري بيأكد نقلي لمكان إقامة مؤمَّن.
والقيادة اللي كان أحمد بيخدم فيها رتبتلي مرافقة عسكرية رسمية...
تكريمًا لخدمتنا إحنا الاتنين.
وأنا بشيل الشنطة في هدوء...
سمعت صوت محركات عربيات جاية من بعيد...
وصوتها بيقرب ثانية ورا التانية.
ومع أول ضوء النهار...
عربيات جيش مصفحة...
وضباط كبار...
وقوات خاصة...
هيكونوا واقفين قدام البيت.
مش عشان أرملة.
لكن عشان...
العقيد إيمان فؤاد.
وساعتها بس...
أهل جوزي هيعرفوا كانوا بيتكلموا مع مين طول السنين دي.
كنت بشيل ملابسي ببطء شديد، وكل حركة كأنها بتقول لهم أنا مستسلمة، أنا ضعيفة، خدوا كل اللي عايزينه. لكن في قلبي كان صوت القيادة اللي تعلمتها من سنين الخدمة، صوت بيقول لا تظهر قوتك قبل الوقت المناسب، الصمت أقوى من الصراخ، والصبر هو سلاحك الأقوى.
الشنطة كانت متوسطة الحجم، مش مليانة حاجات كتير. اخترت بس الأشياء اللي لا يمكن أتخلى عنها صورتي وأحمد في يوم زفافنا، ميداليته اللي أخذها في أول مهمة ناجحة، ساعة يده اللي كان بيحبها جداً، وملف صغير جابته من تحت السرير، ملف كان مغلف بجلد أسود ومكتوب عليه بالخط العسكري الدقيق سري جداً خاص بالعقيد إيمان فؤاد. حطيت الملف في قاع الشنطة بحذر، وغطيته بملابس الحمل، عشان لو حد حاول يفتحها يظن إنها مجرد ملابس عادية.
خلال كل ده، نادية كانت واقفة عند الباب، بتتفرج عليا كأني بغسل مواعين، وبتقول بصوت عالي عشان يسمعها الكل
أخيراً عقلت. تعبانة منك ومن دموعك اللي ما بتخلص، والبيت ده لازم يرجع لطبيعته. كريم محتاج المكان ده عشان شغله المهم، مش عشان نعيش فيه أنا وأنتِ.
كريم ضحك وراها، وقال وهو بيمسح على الطاولة في الأوضة كأنه بيتأكد من مساحتها
صح يا سيدتي، شغلي ده بيخدمنا كلنا، وحتى أحمد لو كان عايش كان وافقني. البيت ده لازم يبقى مصدر رزق للعيلة، مش سكن لشخص واحد مالهاش شغل.
سكتت ومش رديت، وكنت ببص لهم من غير ما أظهر أي غضب. كنت عارفة إن كلامهم ده مجرد غطاء لطمعهم الحقيقي. هم ما كانوش بيحبوا أحمد، ولا بيحترموا حقه، ولا حتى بيخافوا من الله في حقه. هم كانوا شايفين البيت ده ميراث سهل ياخدوه، وإن أنا والجنين اللي في بطني مجرد عائق بيقف في طريقهم. وده كان أوجع من كل الكلام اللي قالوه، لأنهم بيعترفوا بكل حاجة إلا الحب والوفاء لابنهم اللي مات وترك كل ده ليا ولولده.
لما كنت خلاص هاخرج من الأوضة،