وانا قاعده جمب بنتى فى الرعايه

لمحة نيوز

حاولت تيجي تقرب وتحضن ملك، بس ملك خافت وشدّت عليا، وقالت بصوتها الضعيف ماما... خليهم بعيدين.
الكلام ده خلى أمي تتراجع خطوة، ودموعها نزلت على خدها لأول مرة من ساعة ما شفتها. قالت بصوت مكسور
سامحينا يا ندى... سامحينا يا بنتي... كنا غلطانين ومش عارفين قيمة الحاجة اللي عندنا. كنا فاكرين الفلوس أهم حاجة، وفاكرين إنك هتفضلي محتاجة لنا طول عمرك. بس اكتشفنا إننا اللي كنا محتاجينك، وإننا خسرنا أغلى ما نملك عشان حاجات تافهة.
أبويا كمان نزلت دموعه، وقال وهو بيضرب كف بكف
رجعنا نعيش في أوضة واحدة صغيرة يا بنتي، كل حاجة خسرناها. الشغل، والسمعة، والجيران، والأقارب... وكل ده عشان قرار غبي اتخذناه في يوم غضب. كنا بنتمنى كل ليلة نرجع الزمن لورا، نرجع لليلة اللي جيت فيها تطلب المساعدة، ونعطيك كل ما عندنا، ونقول لك تعالي اقعدي، ولا تهمك حاجة. بس الزمن مش بيرجع يا بنتي، والندم مش بيرجع اللي راح.
دنيا كانت عيطت بصرخة، وقالت
أنا آسفة يا ندى... آسفة يا ملك... ما كنتش عارفة إن الحالة واصلة لكده، ما كنتش عايزة أكون سبب في أذيتكم. خدوا كل حاجة، رجعوا كل حاجة، بس أرجعوا لنا... أرجعوا نكون أهل تاني.
بصيت لهم كلهم، وشفت الندم الحقيقي في عيونهم. شفت الكسر والخوف والخزي اللي مالي قلوبهم. وكنت عارفة إنهم عانوا كفاية، وإن العقاب اللي نزل عليهم كان أضعاف ما يستحقوه.
بس القلب اللي اتكسر، مش بيلتئم بسهولة. والثقة اللي ماتت، مش بترجع بندم أو دموع.
قلت لهم بصوت هادئ ومليان رحمة مش كره
أنا مش هقول لكم إنني سامحتكم، ولا إنني هنسى اللي عملتوه. الجرح ده لسه حي في قلبي، وملك كمان لسه بتخاف من أي حد يذكرها بالبيت القديم. بس أنا مش هكرر لكم الألم، ولا هزيد في العقاب اللي ربنا نزله بيكم.
سكت شوية، وقلت لهم
الحق اللي ليا، هاخده. القانون بيقول كده، وده حقي. بس مش عايزة أخذ أكتر من حقي، ولا عايزة أدخل في مشاكل معاكم طول العمر. المبلغ اللي هتدفعوه، ونصيبي في البيت، كل ده هاخده، وبعد كده نكون خلصنا من بعض.
أبويا حاول يقول حاجة، بس كملت
مش عايزة أعيش في الماضي تاني. أنا وملك بدأنا حياة جديدة، عندنا بيت صغير نظيف، وعندنا أصدقاء حقيقيين، وعندنا أمل في الغد. مش عايزة نرجع لليأس والوجع تاني. وإن شاء الله، ربنا يهديكم، وتتعلموا من الغلطة دي، وتعرفوا إن الأهل هم أغلى رزق عند الإنسان، ومفيش فلوس ولا دنيا تساوي دقة قلب قريب لك.
نزلت ملك من على كتفي، ووقفت على رجليها الصغيرة، وبصت لهم شوية، ثم قالت بصوتها الرقيق
بابا وماما... ربنا يسامحكم. بس ماما قالت إن اللي بيبيع الأهل، بيخسر كل حاجة. وأنا وماما مش عايزين نخسر تاني.
الكلام ده كان أبلغ من أي كلام ممكن أقوله أنا. هم فهموا كل حاجة، فهموا إن الباب اتقفل وراهم، وإن الفرصة اللي كانت في إيديهم راحت للأبد بسبب غبائهم وقسوتهم.
سلمت عليهم سلام خفيف، وأخذت ملك بيدها، ومشيت. مشيت وأنا حاسة بالسلام الداخلي اللي ما حسيته من سنين. مشيت وأنا عارفة إن الحق انتصر، وإن اللي بيعمل خير يلقاه، واللي بيعمل شرّ يتعاقب.
بعد كده بأيام، تم الاتفاق بين المحامين، واخدت حقي كاملاً. استخدمت الفلوس عشان أجهز شقة صغيرة جميلة، قريبة من المستشفى، واشتريت لملك كل اللي بتحبه، وكل اللي اتسرق منها أو رموه. رجعت لها لعبة الأرنب اللي كانت بتحبها، واشتريت لها ألبوم صور جديد، وبدأت نصور كل لحظة حلوة نعيشها مع بعض.
سمعت بعد كده إن أبويا وأمي ودعوا، باعوا كل حاجة معاهم عشان يسددوا باقي المبلغ، وسكنوا في قرية صغيرة بعيدة عن القاهرة، بعيد عن كل اللي يعرفهم. ما سمعت عنهم خبر تاني، ولا حاولوا يتصلوا بيا. وكنت عارفة إنهم عايشين في ندم طول العمر، وإن كل ليلة بيتذكروا اللحظة اللي قرروا فيها يرمونا في الشارع، وبيتمنوا لو الزمن يرجع دقيقة واحدة بس.
وأنا كل يوم باص لملك، وهي بتكبر قدامي، وتضحك، وتحكي لي قصصها، وبشكر ربنا على كل شيء. شكرته لأنه نجى بنتي، وشكرته لأنه أظهر لي من هو الحقيقي ومن هو المزيف، وشكرته لأنه علمني إن الأمل مش بيجي من حد، ولا من فلوس، ولا من أهل، الأمل بيجي من جواك، ومن الثقة في ربنا، ومن القوة اللي بيجعلها فيك عشان تكملي الطريق مهما كانت الصعوبات.
وما زلت أتمنى لهم الخير، لأن القلب اللي مليان كره مش بيجد الراحة أبداً. بس الراحة اللي أنا عايشاها دلوقتي، ما كانتش هتجيلي إلا لما اتخذت القرار الصح، وابتعدت عن كل ما كان بيأذيني، وبدأت حياتي من جديد، بنفس طاهرة، وقلب مليان أمل، ومستقبل مشرق قدامي وبنتي الغالية.

تم نسخ الرابط