جوزى طلقنى غيابى

لمحة نيوز

الأستاذ كريم، وحصلتله أزمة قلبية حادة وهو في الشارع، وآخر رقم كان متسجل للطوارئ عنده هو رقم حضرتك... ممكن تيجي بسرعة؟
وقفت مكاني في ذهول...
وأول سؤال جه في بالي كان
أروح... ولا أقفل الصفحة دي من حياتي للأبد؟
فضلت ماسكة التليفون، والممرض مستني ردي.
قال مرة تانية يا فندم... حضرتك سامعاني؟
أخدت نفس طويل وقلت أنا جاية.
قفلت المكالمة، ولقيت ماما بتبصلي.
سألتني هتروحي؟
قلت بهدوء مش علشانه... علشان ولادي. مهما حصل، هو أبوهم، ولو حصل له حاجة من غير ما يعرفوا الحقيقة، هيعيشوا طول عمرهم بأسئلة ملهاش إجابة.
وصلت المستشفى بعد حوالي عشرين دقيقة.
الممرض خدني على غرفة انتظار قدام العناية المركزة.
بعد شوية خرج الدكتور.
قال حضرتك تبقي إيه للمريض؟
قلت أم أولاده.
هز راسه وقال حالته استقرت مؤقتًا، لكن لازم يعمل عملية قلب مفتوح في أقرب وقت.
شكرته، وقعدت مستنية.
بعد نص ساعة، سمحولي أدخل له خمس دقايق.
دخلت.
كان نايم على السرير، ووشه شاحب جدًا.
أول ما فتح عينه وشافني، حاول يبتسم.
قال بصوت ضعيف كنت عارف... إنك هتيجي.
رديت بهدوء متفهمش وجودي غلط.
هز رأسه.
عارف... ومش طالب منك غير تسمعيني.
سكت شوية بسبب التعب، وبعدها قال الجواب اللي بعتّه... قريتيه؟
قلت لسه.
قال اقريه بعد ما تخرجي.
خرجت من الأوضة، وقعدت في الكافتيريا، وفتحت الجواب.
كان مكتوب فيه
لما أخدت دهبك كنت ناوي أفتح بيه مشروع وأرجعهولك أضعاف. لكن أول ما النجاح جه، الغرور دخل حياتي. افتكرت إن الفلوس تخليني إنسان أحسن، وفي الحقيقة خلتني أسوأ نسخة من نفسي.
كل سنة كنت بقول هرجعلكم بكرة... والبكرة كانت بتبعد أكتر.
كل عيد ميلاد للولاد كنت أعرف تاريخه، وأفضل أبص على صورهم من بعيد من غير ما أقدر أقابلهم.
يمكن تستغربي، لكني كنت بتابع مشروع الأكل بتاعك من أول ما بدأ.
أول طلب كبير جالك... كان أنا اللي باعت حد يطلبه من غير ما تعرفي.
كنت عايز أشوفك هتقدري تنجحي لوحدك ولا لأ.
ولما شفت تعبك، عرفت إنك أقوى مني ألف مرة.
لو ربنا كتبلي عمر بعد العملية، هقضي اللي باقي من حياتي أحاول أصلح اللي ينفع يتصلح.
ولو مكتبتليش عمر...
بلغي ولادي إن أبوهم كان ضعيف... لكن عمره ما بطل يحبهم.
قفلت الجواب وأنا دموعي نازلة.
مش علشان سامحته...
لكن علشان حسيت قد إيه الإنسان ممكن يضيع عمره بسبب قرار غلط.
عدت أيام، واتحدد موعد العملية.
وقبلها بيوم، سألت الولدين
تحبوا تشوفوا باباكم؟
ابني الكبير سأل هو فاكرنا؟
ابتسمت بحزن.
أيوه... فاكركم.
راحوا معايا.
أول ما شافهم، كريم بكى.
مد إيده وهو بيرتعش.
الولد الكبير قرب منه بحذر، أما أخته ففضلت مستخبية ورايا.
قال بصوت مكسور أنا آسف.
ابني سأله ببراءة إنت هترجع تعيش معانا؟
سكت كريم.
وبصلي.
أنا رديت بدلًا منه.
باباكم دلوقتي أهم حاجة عنده إنه يخف.
الولد هز راسه، وقرب حضنه.
المشهد ده كان كفيل يخلي كل اللي في الأوضة ينزل دموعه.
تاني يوم دخل العملية.
كانت من أطول الساعات في حياتنا.
وأخيرًا خرج الدكتور.
ابتسم وقال
الحمد لله... العملية نجحت.
عدى ست شهور.
كريم التزم بكل أحكام النفقة، وكتب جزءًا من أسهم شركته باسم ولديه، وأنشأ صندوقًا لتعليمهما ومستقبلهما.
أما أنا...
فرفضت أرجع له.
لأن في فرق كبير بين إنك تسامح...
وإنك ترجع تعيش نفس الحياة.
كبر مشروع الأكل بتاعي، واستأجرت مطبخًا أكبر، وشغلت معايا خمس سيدات محتاجات شغل، وبعد سنة فتحت أول محل باسم
لمة البيت
وبقى الناس تيجي من أماكن مختلفة علشان الأكل البلدي اللي بنعمله.
أما كريم، فكان يشوف ولاده بانتظام، ويحاول يعوضهم عن السنين اللي ضاعت، من غير ما يتدخل في حياتي أو يضغط عليا.
وفي يوم افتتاح المحل الجديد، وقف بعيد وسط الزحمة، وصفق وهو شايف الناس بتباركلي.
ولما عيوننا اتقابلت...
ابتسم ابتسامة هادئة.
وأنا بادلتها بابتسامة بسيطة.
مش ابتسامة حب...
لكن ابتسامة إن كل واحد فينا أخيرًا اتعلم إن الحقوق بترجع، والكرامة أهم من أي علاقة، وإن البداية الجديدة ممكن تيجي بعد أصعب نهاية.
تمت.

تم نسخ الرابط