مدير المستشفى امر بطرد الممرضه اللى جايه من الارياف
في بيت قديم فخم.
الحاج عبد الرحيم كان قاعد قدام صورة كبيرة لابنه الراحل.
وأول ما دخل شريف قال
سمعت إنك بتفتش في حاجات قديمة.
شريف اتوتر.
لكنه قرر ما يكذبش.
فحكى جزء من الحقيقة.
من غير ما يذكر مكان الدكتور حازم.
الرجل العجوز فضل ساكت.
لحد ما قال
كنت مستني اليوم ده من سنين.
شريف اتفاجأ.
حضرتك عارف؟
هز رأسه ببطء.
وقال
عارف إن فيه فساد.
لكن ماعرفتش أوصل لمصدره.
ثم فتح درج مكتبه.
وطلع ظرف قديم.
مغلق من سنين.
وقال
الظرف ده وصلني من الدكتور حازم قبل اختفائه بأيام.
فتح شريف الظرف بسرعة.
ولقى رسالة قصيرة بخط اليد.
مكتوب فيها
لو حصلي حاجة... دور ورا العقود الطبية.
شريف حس بقشعريرة.
لأن ده نفس الاتجاه اللي كان بيوصله الملف.
الحاج عبد الرحيم أكمل
أنا وثقت في ناس غلط.
وسبت الإدارة لناس ماكانوش قد المسؤولية.
بس لو الدكتور حازم فعلًا عايش...
سكت لحظة.
ثم قال
يبقى لازم الحقيقة تظهر.
في صباح اليوم التالي.
اجتمع شريف مع عماد وسعاد والدكتور حازم.
وحكوا لبعض كل التطورات.
وهنا قال الدكتور حازم
أظن جه وقت نجيب النسخة الإلكترونية.
الجميع بص له.
وقال شريف
فين؟
ابتسم حازم لأول مرة من وقت طويل.
وقال
في مكان محدش يتوقعه.
بعد ساعات.
وصلوا لبلدة صغيرة قريبة من المكان اللي حصل فيه الحادث.
ثم وقفوا قدام مكتبة عامة قديمة.
شكلها عادي جدًا.
لكن حازم دخل بثقة.
واتجه ناحية خزانة حديدية صغيرة.
كانت مستأجرة باسمه من سنين.
فتحها بمفتاح قديم كان محتفظ بيه.
ومن جوه طلع فلاشة إلكترونية.
ملفوفة في كيس بلاستيك محكم.
وقال
دي كل الحقيقة.
رجعوا بسرعة.
وقعدوا قدام الكمبيوتر.
بدأت الملفات تفتح واحد وراء التاني.
عقود.
تحويلات مالية.
مراسلات.
وفواتير.
وأدلة أوضح بكتير من الورق.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ملف.
ملف صوتي مسجل.
تاريخه قبل الحادث بيومين فقط.
شغل الدكتور شريف التسجيل.
وخرج صوت واضح.
صوت الدكتور حازم.
وهو بيتكلم مع شخص آخر.
الشخص الآخر كان غاضبًا.
وبيهدده بشكل مباشر.
ثم قال جملة جعلت الجميع يصمت
لو فتحت بُقك... مش هتكمل الأسبوع.
وبعدها مباشرة ظهر اسم المتحدث على التسجيل.
ولم يكن اسم الدكتور فؤاد وحده.
بل اسم شخص آخر أعلى منه منصبًا.
شخص لم يخطر ببال أي منهم.
شخص كان طوال الوقت يظهر كأنه بعيد تمامًا عن كل ما يحدث.
وحين قرأ شريف الاسم...
رفع رأسه بصدمة حقيقية وقال
لا... ده مستحيل.
لأن الاسم كان يخص عضوًا مهمًا جدًا في مجلس الإدارة نفسه.
وهنا أدرك الجميع أن القضية أكبر بكثير مما تخيلوا...
وأن المواجهة القادمة لن تهدد وظائفهم فقط...
بل قد تهدد المستشفى كلها.
ساد الصمت في الغرفة بعد ما انتهى التسجيل.
الكل كان مركز عينه على شاشة الكمبيوتر.
أما الدكتور شريف ففضل واقف مكانه للحظات، كأنه بيحاول يستوعب اللي سمعه.
الاسم اللي ظهر في نهاية الملف الصوتي ماكانش مجرد موظف كبير.
ولا مدير قسم.
كان اسم محمود السيوفي.
عضو مجلس إدارة مستشفى النخبة.
وابن عم الدكتور فؤاد.
والرجل المسؤول عن أغلب العقود والاستثمارات الخاصة بالمستشفى.
عماد قال أخيرًا
كده الصورة اكتملت.
لكن الدكتور حازم هز رأسه.
وقال
لسه.
إحنا معانا أدلة قوية.
لكن لازم كل حاجة تتراجع قانونيًا.
لأن أي غلطة صغيرة ممكن تضيع القضية كلها.
سعاد كانت قاعدة ساكتة.
من أول يوم دخلت فيه حياة الدكتور حازم وهي شايفة الخوف اللي عايش بيه.
وعارفة إن اللحظة دي استناها سنين.
لكنها كانت عارفة كمان إن المواجهة مش سهلة.
في صباح اليوم التالي.
قرر الدكتور شريف يتواصل مع الحاج عبد الرحيم.
وحكى له كل اللي وصلوا له.
الرجل الكبير سكت طويلًا.
ثم قال
اعمل اجتماع طارئ لمجلس الإدارة.
وخلي كل الأعضاء يحضروا.
بعد يومين.
كان الاجتماع منعقدًا في القاعة الرئيسية للمستشفى.
كل أعضاء المجلس حضروا.
والدكتور فؤاد كان قاعد بثقة كعادته.
أما محمود السيوفي فكان بيتكلم ويضحك مع الموجودين.
ولا كأن فيه حاجة.
دخل الدكتور شريف.
ومعه ملف كبير.
وخلفه الأستاذة منى.
ثم عماد.
الجميع استغرب.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.
لما اتفتح باب القاعة.
ودخل رجل مستند على عكازين.
في البداية محدش استوعب.
ثم بدأت الهمسات.
وبعدين الصدمة.
واحد قال
ده...
والتاني قال
مستحيل.
أما الدكتور فؤاد فاختفى اللون من وشه بالكامل.
الدكتور حازم وقف في منتصف القاعة.
وقال بهدوء
واضح إن بعض الناس ماكانوش متوقعين يشوفوني تاني.
الصمت كان ثقيل جدًا.
لدرجة إن صوت المكيف كان مسموع.
بدأ عرض الأدلة.
ورقة وراء ورقة.
مستند وراء مستند.
عقود مزورة.
فواتير مضخمة.
تحويلات مالية مشبوهة.
ومراسلات إلكترونية.
كل ما الأدلة كانت بتظهر.
كل ما وجوه بعض الحاضرين كانت بتتغير.
أما محمود فبدأ يفقد هدوءه.
وقال بعصبية
الكلام ده ملفق.
لكن الدكتور شريف فتح التسجيل الصوتي.
والقاعة كلها سمعت.
وماحدش قدر ينكر الصوت.
بعد انتهاء التسجيل.
قام الحاج عبد الرحيم بنفسه.
وقال
من النهارده... أي شخص يثبت تورطه هيتحول للتحقيق فورًا.
حاول محمود يتكلم.
لكن باقي الأعضاء رفضوا.
لأن الأدلة كانت واضحة جدًا.
في نفس اليوم.
تم إيقاف الدكتور فؤاد ومحمود عن العمل لحين انتهاء التحقيقات.
وتم تسليم كل الملفات للجهات المختصة.
الأيام التالية كانت صعبة.
وسائل الإعلام بدأت تسمع عن القضية.
والتحقيقات توسعت.
لكن في المقابل...
بدأت الحقيقة تظهر كاملة.
واتضح إن أغلب الأطباء والعاملين في المستشفى ماكانوش ليهم أي علاقة بالفساد.
وكانوا ضحايا زيهُم زي غيرهم.
بعد أسابيع.
صدر التقرير النهائي.
وثبتت مسؤولية عدد محدود من الأشخاص عن المخالفات المالية والإدارية.
أما المستشفى نفسها فاستمرت في العمل بعد إعادة تنظيم الإدارة بالكامل.
وفي يوم هادئ.
كان الدكتور شريف واقف في مكتبه.
يبص من الشباك.
ولقى سعاد ماشية في الممر كعادتها.
شايلة ملفات المرضى.
وبتتكلم مع ست كبيرة بابتسامتها المعروفة.
ابتسم من غير ما يحس.
وافتكر اليوم اللي كان ناوي يطردها فيه.
لولا إنه سأل قبل ما يحكم.
كان زمانه خسر واحدة من أنبل الناس اللي اشتغلوا في المستشفى.
بعدها بدقائق.
طلب من الأستاذة منى تنادي سعاد.
دخلت وهي متوترة.
ومتخيلة إنها عملت غلطة في الشغل.
قال لها
اقعدي يا سعاد.
قعدت بهدوء.
فتح درج المكتب.
وطلع قرار رسمي.
ناولها الورقة.
بدأت تقرأ.
وفجأة اتسعت عيناها.
لأن القرار كان فيه ترقيتها من ممرضة تحت الاختبار إلى ممرضة مسؤولة بشكل دائم.
ومعه مكافأة خاصة.
رفعت رأسها بسرعة.
وقالت
أنا؟
ابتسم شريف.
وقال
أيوه إنتِ.
لأنك حافظتي على الأمانة.
ووفيتي بوعد أبوكي.
وحميتي إنسان من غير ما تستني مقابل.
امتلأت عيناها بالدموع.
لكنها حاولت تسيطر على نفسها.
وقالت
الفضل لله.
بعد شهور قليلة.
عاد الدكتور حازم تدريجيًا للحياة العامة.
لكن المرة دي بعيد عن المناصب والضغوط.
واختار يشتغل في تدريب الأطباء الشباب.
وينقل خبرته للجيل الجديد.
أما سعاد.
فبقت من أكتر الممرضات احترامًا داخل المستشفى.
مش عشان بطلة.
ولا عشان ظهرت في الأخبار.
لكن لأن كل مريض تعامل معاها حس إنها فعلًا مهتمة بيه.
وفي أحد الأيام.
مر الدكتور شريف بجوار غرفة أحد المرضى.
وسمع الراجل العجوز بيقول لسعاد
ربنا يبارك فيكي يا بنتي.
ابتسم ومشى.
لأنه أدرك أخيرًا إن الشهادات والمناصب مهمة.
لكن أحيانًا...
أغلى شيء في أي مستشفى هو إنسان عنده ضمير.
وبكده انتهت الحكاية التي بدأت بأمر فصل ممرضة بسيطة من الأرياف...
وانتهت بكشف حقيقة غيّرت حياة الكثيرين، وأثبتت أن الحكم على الناس من مظهرهم قد يحجب عنا أعظم ما فيهم.
النهاية.