امه طردت مراته وهى حامل من غير ما يعرف
الهادئة.
أما يوسف فكان لا يزال نائمًا.
بصت له طويلًا.
ثم ابتسمت.
كان كل شيء في حياتها يدور حوله منذ يوم ولادته.
كل تعبها.
كل خوفها.
كل قرار أخذته.
كانت تحاول فقط أن تمنحه حياة مستقرة.
وحين فكرت في الشهور الأخيرة، اكتشفت أن يوسف كان سعيدًا أكثر من أي وقت مضى.
صار يعرف أباه.
وصار يضحك أكثر.
وصار يشعر بالأمان بينهما.
أغمضت عينيها للحظات.
ثم حسمت أمرها.
في نفس اليوم كان كريم في عمله.
لكن تركيزه كان شبه معدوم.
كل دقيقة كان ينظر إلى هاتفه.
وينتظر.
لم يكن يريد الضغط عليها.
ولم يسألها عن قرارها.
لكنه كان يعلم أن اللحظة اقتربت.
وفجأة رن الهاتف.
ظهر اسم سلمى على الشاشة.
قفز قلبه.
رد بسرعة
ألو؟
كريم.
أيوة.
ساد صمت قصير.
ثم قالت
فاضي النهاردة؟
ابتسم دون أن يشعر.
أيوة.
تعال بعد الشغل.
حاضر.
ولأول مرة منذ سنوات خرج من عمله وهو يشعر بالأمل.
وصل إلى بيتها قبل الموعد بعشر دقائق.
وقف أمام الباب.
ثم طرقه.
فتحت له سلمى.
وكانت تبتسم.
ابتسامة هادئة.
مختلفة.
ابتسامة لم يرها منذ زمن طويل.
دخل.
فوجد يوسف يجلس على الأرض ويلعب.
أول ما رآه صرخ
بابا!
وجرى نحوه.
حمله كريم وضمه بقوة.
ثم نظر إلى سلمى.
وقال بهدوء
خير؟
جلست أمامه.
وكان واضحًا أنها رتبت كلماتها جيدًا.
قالت
أنا فكرت كتير.
ظل ينظر إليها.
وفكرت في اللي حصل.
وفي اللي ضاع.
وفي اللي باقي.
سكتت لحظة.
ثم أكملت
الحقيقة إن اللي حصل عمره ما هيتنسى.
هز رأسه.
عارف.
وفيه حاجات اتكسرت جوايا صعب ترجع زي الأول.
فاهم.
لكن...
توقف قلبه تقريبًا عند الكلمة.
ابتسمت وهي تنظر إلى يوسف.
ثم قالت
لكني شايفة إننا نستحق فرصة جديدة.
لم يستوعب في البداية.
بقي ينظر إليها فقط.
ثم قال
يعني؟
ضحكت بخفة.
يعني موافقة نبدأ من جديد.
أغمض عينيه للحظة.
وكأنه يحاول التأكد أنه لم يحلم.
ثم خرجت منه ضحكة ممزوجة بدموع.
ولأول مرة منذ سنوات شعر أن الله أعطاه فرصة لم يكن يستحقها.
خلال الأسابيع التالية بدأت مرحلة جديدة.
لم ينتقلا فورًا.
ولم يتصرفا وكأن شيئًا لم يحدث.
بل أخذا وقتًا كافيًا.
كانا يتحدثان كثيرًا.
بصراحة لأول مرة.
عن أخطائهما.
عن مخاوفهما.
عن المستقبل.
واتفقا على شيء مهم.
أن أي مشكلة تحدث بينهما لن يسمحا لأحد بالتدخل فيها.
ولا لأي شخص أن يتخذ قرارًا نيابة عنهما.
مهما كانت الظروف.
وفي يوم الانتقال إلى الشقة الجديدة.
كان يوسف أكثر شخص متحمس.
يجري بين الغرف.
ويضحك.
ويختار مكان ألعابه.
أما أمينة فكانت تساعد في ترتيب الأشياء.
وبين حين وآخر كانت تنظر إلى سلمى بخجل.
كأنها ما زالت لا تصدق أن زوجة ابنها سامحتها.
وفي لحظة هدوء اقتربت منها.
وقالت
يا بنتي.
التفتت سلمى إليها.
نعم؟
امتلأت عينا أمينة بالدموع.
وقالت
عمري ما هعرف أعوضك عن اللي حصل.
ابتسمت سلمى بهدوء.
التعويض مش دايمًا بيكون بالكلام.
أمال بإيه؟
إننا مانكررش نفس الغلط.
أجهشت أمينة بالبكاء.
ثم احتضنتها لأول مرة منذ سنوات.
وكان حضنًا مليئًا بالندم... وبالراحة أيضًا.
مرت سنة كاملة.
ثم سنتان.
وتغيرت أشياء كثيرة.
يوسف دخل المدرسة.
وأصبح طفلًا ذكيًا ومحبوبًا.
وسلمى افتتحت مشروع خياطة صغير من البيت.
ثم كبر المشروع تدريجيًا.
وأصبحت تحقق نجاحًا لم تكن تتخيله.
أما كريم فكان يدعمها في كل خطوة.
ولم يعد يعتبر نجاحها أمرًا ثانويًا.
بل جزءًا من نجاح الأسرة كلها.
وفي كل مرة كان ينظر إليها يشعر بالفخر.
لأنها لم تستسلم رغم كل ما مرت به.
أما أمينة فقد تغيرت هي الأخرى.
أصبحت أقرب إلى حفيدها يومًا بعد يوم.
وتعلمت درسًا لن تنساه أبدًا.
أن الحب لا يعني السيطرة.
وأن الخوف على الأبناء لا يعطي الحق في التحكم في حياتهم.
وفي أحد الأيام، بعد سنوات من تلك الصدفة التي جمعتهم في السوق الشعبي، كان كريم وسلمى ويوسف يتمشون معًا في نفس السوق.
مروا بجوار المكان الذي كانت تقف فيه سلمى خلف فرشة الخضار.
توقفت للحظة.
ونظرت إلى المكان.
ابتسم كريم.
وقال
فاكرة اليوم ده؟
ضحكت.
أنساه إزاي؟
كنت فاكر إني بتخيل.
وأنا كنت فاكرة إنك هتمشي ومش هترجع.
أمسك يدها بهدوء.
وقال
الحمد لله إني ما مشيتش.
في تلك اللحظة رفع يوسف رأسه وسأل
إيه اللي مضحك؟
ضحك الاثنان.
وقال كريم
ولا حاجة يا بطل.
ثم أكملوا السير.
يد سلمى في يد كريم.
ويوسف بينهما.
عائلة عادية جدًا في نظر الناس.
لكنهم كانوا يعرفون جيدًا أن وراء تلك الصورة البسيطة سنوات من الألم والصبر والندم والتسامح.
سنوات أثبتت لهم أن الحقيقة قد تتأخر.
لكنها في النهاية تظهر.
وأن بعض العلاقات يمكن أن تنجو حتى بعد أقسى العواصف... إذا وجد أصحابها الشجاعة للاعتراف بالخطأ، والصبر الكافي لإصلاحه.
تمت القصة.