امه طردت مراته وهى حامل من غير ما يعرف

لمحة نيوز

مرة من سنتين شافت الندم الحقيقي في عينيه.
لكن جواها كان لسه سؤال واحد.
سؤال مخوفها.
لأن الحقيقة لسه ما اكتملتش.
وهي عارفة إن اللي جاي أخطر من كل اللي فات.
لأن لما كريم يرجع البيت الليلة...
ويواجه أمه بالحقيقة...
حياة ناس كتير هتتغير للأبد.
خرج كريم من شقة سلمى بعد ساعات طويلة.
كان الليل نزل على الحي الشعبي، والناس بدأت تقفل محلاتها.
لكن جواه كانت عاصفة.
كل خطوة كان بيمشيها وهو حاسس إن السنتين اللي فاتوا بيتفككوا قدامه قطعة قطعة.
وصل عربيته.
وقف لحظة.
وبص ناحية العمارة القديمة.
في الدور التاني كانت لمبة الشقة الصغيرة منورة.
هناك ابنه.
ابنه اللي اتولد وكبر وهو مايعرفش عنه حاجة.
قبض على المقود بقوة.
ثم شغل العربية واتجه للبيت.
طوال الطريق كانت كلمات سلمى بتتردد في دماغه.
أمك هي اللي طردتني.
كنت حامل.
قلتلي إنك موافق.
كل كلمة كانت زي السكين.
وصل البيت.
فتح الباب بعنف.
أمه كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون.
أول ما شافته ابتسمت.
اتأخرت ليه يا كريم؟
لكنه ما ردش.
وقف قدامها مباشرة.
وقالت بابتسامة بدأت تختفي
مالك؟
سألها بصوت جامد
سلمى فين؟
اتجمدت للحظة.
ثم قالت
بعد السنين دي كلها بتسأل عنها؟
جاوبي.
معرفش.
كدب.
بدأ القلق يظهر على وشها.
في إيه يا ابني؟
شوفتها النهاردة.
في اللحظة دي اختفى اللون من وجهها.
وحاولت تتماسك.
شوفت مين؟
سلمى.
الصمت نزل على البيت كله.
كريم كان أول مرة في حياته يبص لأمه بالشكل ده.
بلا ثقة.
بلا اطمئنان.
وبلا تصديق.
قال
ليه كذبتي عليا؟
أنا ماكذبتش.
بلاش.
يا كريم...
ليه قولتي إنها سابتني؟
لأنها فعلاً سابتك.
صرخ لأول مرة
كفاية!
ارتعشت.
وسكتت.
أنا عرفت كل حاجة.
بدأت تبص حواليها بتوتر.
قالتلك إيه؟
قالت الحقيقة.
سكتت.
طردتيها وهي حامل؟
ماردتش.
جاوبي.
نزلت عينيها للأرض.
وكان الصمت كفاية.
في اللحظة دي كريم حس بشيء انكسر جواه.
مش بس بسبب سلمى.
لكن بسبب الشخص اللي وثق فيه عمره كله.
قعد على الكنبة وهو حاسس إنه مش قادر يستوعب.
ليه؟
سألها بصوت مكسور.
ليه تعملي كده؟
بدأت دموعها تنزل.
وقالت
كنت خايفة عليك.
رفع رأسه بسرعة.
خايفة عليا من مراتي؟
أيوة.
ليه؟
لأنها كانت فقيرة.
ضحك ضحكة قصيرة مليانة ألم.
دي الإجابة؟
كنت شايفة إنك تستاهل واحدة أحسن.
أحسن من مين؟
من بنت جاية من ظروف صعبة.
دي كانت مراتي.
سكتت.
ثم قالت
كنت فاكرة إنها هتمشي يومين وترجع.
وهي حامل؟
ماكنتش أعرف إنها حامل.
هنا اتفاجأ كريم.
إيه؟
والله ما كنت أعرف.
بص لها طويلًا.
وكان واضح إنها صادقة في النقطة دي.
لكن ده ما غيرش حاجة.
لأن النتيجة واحدة.
سلمى اتطردت.
وابنه اتولد بعيد عنه.
وسنتين من عمرهم ضاعوا.
قام من مكانه.
وقالت بسرعة
رايح فين؟
مش عارف.
يا كريم.
محتاج أفكر.
خرج من البيت.
وسابها قاعدة تبكي وحدها.
في اليوم التالي رجع لسلمى.
كان واقف قدام العمارة من بدري.
مستني.
بعد شوية نزلت وهي شايلة صناديق الخضار.
أول ما شافته وقفت.
قال بهدوء
صباح الخير.
صباح النور.
ممكن أساعدك؟
زي امبارح؟
ابتسم لأول مرة.
أيوة.
سكتت ثواني.
ثم ناولته صندوق.
مشوا جنب بعض للسوق.
المسافة قصيرة.
لكنها كانت أول مرة يمشوا فيها جنب بعض من سنتين.
وفي كل خطوة كان فيه صمت ثقيل بينهم.
لحد ما قالت فجأة
واجهت والدتك؟
هز رأسه.
أيوة.
وقالت إيه؟
اعترفت.
نزلت عينيها.
وكأنها كانت مستنية الجملة دي من زمان.
ثم قالت
ربنا يسامحها.
استغرب.
بس؟
أقول إيه يعني؟
ماتزعليش؟
ابتسمت بحزن.
الزعل خلص من زمان يا كريم.
الكلمات وجعته أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت صادقة.
في وقت ما الألم بيتحول لشيء أبرد.
شيء اسمه التعود.
وواضح إن سلمى وصلت للمرحلة دي.
بدأ كريم يروح كل يوم تقريبًا.
في البداية كان يشتري حاجات من السوق ويتحجج بأي سبب.
لكن الحقيقة إنه كان عاوز يشوف يوسف.
الطفل اتعلق بيه بسرعة غريبة.
في أول أسبوع كان بيناديه عمو.
وفي الأسبوع اللي بعده بقى يجري عليه أول ما يشوفه.
أما كريم فكان بيعيش إحساس جديد بالكامل.
أول مرة يحس بمعنى الأبوة.
كان يجيب له عربية لعبة.
أو كتاب صور.
أو كرة صغيرة.
ويقعد بالساعات يلعب معاه.
وسلمى كانت تراقب من بعيد.
قلبها كان محتار.
جزء منها سعيد إن ابنها أخيرًا عرف أبوه.
وجزء تاني خايف.
خايف من الرجوع.
وخايف من الوجع القديم.
بعد شهر تقريبًا.
كان كريم قاعد على الأرض بيلعب مع يوسف.
وفجأة الطفل وقع.
قبل ما يعيط، كريم جري عليه وشاله.
وقال بخوف
حصلك حاجة؟
ضحك يوسف.
وطلع سليم.
لكن المشهد كله أثر في سلمى.
لأنها شافت رد فعل أب حقيقي.
مش شخص بيؤدي دور.
ولما يوسف نام في المساء.
قال كريم
ممكن نتكلم؟
قعدت قدامه.
وكان واضح إنها متوترة.
قال بهدوء
أنا غلطت.
سكتت.
غلطت لما صدقت من غير ما أدور أكتر.
اللي حصل حصل.
لا.
يا كريم...
لازم تسمعيني.
رفعت عينيها له.
أنا ضيعت سنتين من عمر ابني.
دموعه بدأت تظهر.
وسنتين من عمرك.
سكتت.
ومش هعرف أرجعهم.
أومأت برأسها.
أيوة.
لكن عاوز أصلح اللي باقي.
قلبها دق بقوة.
كانت عارفة الجملة اللي جاية.
ومع ذلك ما كانتش مستعدة لها.
قال
ارجعي.
اتجمدت.
إيه؟
ارجعي البيت.
سكتت ثواني طويلة.
ثم قالت
أي بيت؟
بيتنا.
ضحكت ضحكة قصيرة حزينة.
بيتنا؟
أيوة.
البيت اللي خرجت منه بشنطة هدومي؟
الأمور اتغيرت.
لا يا كريم.
ليه؟
لأن اللي اتكسر مش سهل يتصلح.
نحاول.
وأنا لو رجعت وخفت تاني؟
مش هسيبك.
ولو حصلت مشكلة؟
هكون جنبك.
ولو والدتك رفضت؟
قال بثبات
يبقى أنا اللي همشي.
نظرت له بدهشة.
كان أول مرة تشوفه بهذه الحسم.
لكنها لم ترد.
واكتفت بالصمت.
بعد أيام قليلة.
حدث شيء لم يكن أي منهما يتوقعه.
في صباح يوم جمعة.
كان كريم موجودًا عندهم.
وفجأة سمعوا خبطًا على الباب.
فتحت سلمى.
وتجمدت مكانها.
الشخص الواقف أمام الباب كان والدة كريم.
أمينة.
حماتها.
المرأة التي لم ترها منذ أكثر من سنتين.
سلمى شحب وجهها.
أما أمينة فكانت واقفة وهي تمسك طرف حجابها بقوة.
واضح أنها جاءت بصعوبة.
يوسف كان واقفًا خلف أمه.
يبص للسيدة الغريبة باستغراب.
وفي الداخل وقف كريم فجأة.
الموقف كله تجمد.
ثوانٍ طويلة.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
أمينة بدأت تبكي.
وقالت بصوت مرتعش
سامحيني يا بنتي.
سلمى لم ترد.
ظلت واقفة مكانها فقط.
أما أمينة فأكملت وهي تبكي
ظلمتك.
وساعتها فقط شعرت سلمى أن الماضي كله عاد مرة واحدة.
لكنها لم تكن تعرف بعد أن ما ستقوله أمينة في الدقائق القادمة سيكشف سرًا آخر...
سرًا أخفته طوال السنتين الماضيتين.
وسيقلب القصة كلها من جديد.
وقفت سلمى عند الباب، غير قادرة على الكلام.
أما أمينة فكانت تبكي بصورة لم يرها كريم منها من قبل.
طوال عمره كان يعرف أمه امرأة قوية، لا تعترف بخطئها بسهولة، ولا تسمح لأحد أن يراها ضعيفة.
لكن المرأة الواقفة أمامه الآن كانت مختلفة تمامًا.
قالت أمينة بصوت مرتجف
والله يا بنتي أنا جاية أطلب منك السماح.
سلمى لم ترد.
كانت تنظر إليها فقط.
ثم قالت بهدوء
اتفضلي ادخلي.
دخلت أمينة بخطوات مترددة.
ولأول مرة منذ سنوات جلست داخل بيت سلمى.
البيت الصغير الذي لم تتخيل يومًا أن تعيش فيه زوجة ابنها وحفيدها.
وقع نظرها على يوسف.
الطفل كان مختبئًا خلف أمه.
سألت وهي تمسح دموعها
ده يوسف؟
هزت سلمى رأسها.
أمينة ظلت تنظر إليه طويلًا.
ثم انفجرت بالبكاء مرة أخرى.
وقالت
حفيدي...
كريم شعر بغصة في حلقه.
أما يوسف فلم يفهم شيئًا.
اقترب من أمه وهمس
مين دي؟
سلمى لم تعرف ماذا تقول.
لكن أمينة ردت بنفسها
أنا تيتة يا حبيبي.
الطفل ظل ينظر إليها بصمت.
ثم عاد للاختباء خلف أمه.
كان طبيعيًا.
فهي بالنسبة له مجرد امرأة غريبة.
وهذا وحده كان عقابًا كافيًا لأمينة.
بعد دقائق من الصمت قالت أمينة
فيه حاجة لازم تعرفوها.
نظر إليها كريم.
إيه؟
تنهدت طويلًا.
ثم قالت
الحقيقة مش كلها عند سلمى.
عقد كريم حاجبيه.
تقصدي إيه؟
قالت
أنا غلطت لما طردتها.
وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
لكن فيه حاجة تانية حصلت بعدها.
سكت الجميع.
ثم
تم نسخ الرابط