بعد تلات سنين من اليوم اللي مضيت فيه قسيمة طلاقنا، مكنش ورايا غير سؤال واحد هيموتني: يا ترى ندى عايشة إزاي دلوقتي؟
إن فيه حاجة تقيلة.
دخلنا المكتب.
وقفل الباب.
وحط ملف قدامي.
فتحت أول صفحة.
وكان عنوانها
مكالمة مسجلة بتاريخ 14 مارس من أربع سنين.
رفعت عيني باستغراب.
كريم قال
المكالمة دي كانت بين والدتك ومديرة مكتبك القديمة.
بدأت أقرأ.
ومع كل سطر كنت بحس إن الدم بيتسحب من وشي.
مديرة مكتبي القديمة كانت بتقول
مدام ندى بتحاول توصل لشريف بيه.
وأمي كانت بترد
أي مكالمات منها تتمنع.
نزلت للصفحة اللي بعدها.
ندى كانت باعت نتيجة تحليل حمل على الإيميل الخاص بالشركة.
والإيميل متحولش ليا أصلًا.
اتحذف.
بأمر مباشر من أمي.
قفلت الملف.
وبصيت لكريم.
إنت متأكد من الكلام ده؟
مية في المية.
إزاي؟
بعد ما حضرتك طلبت أعرف كل حاجة رجعت لأرشيف الشركة القديم.
قعدت ساكت.
أكتر حاجة وجعتني مش إن أمي عملت كده.
لكن إني كنت سهل أوي.
سهل أوي لدرجة إني عمري ما سألت.
ولا دورت.
ولا حاولت أفهم.
أنا اخترت التصديق المريح.
إن ندى هي الغلطانة.
عشان ده كان أسهل من مواجهة نفسي.
بالليل روحت بيت العيلة.
أول ما دخلت لقيت أمي قاعدة في الصالون.
وقالت بابتسامة
أهو العريس جه.
بصيتلها.
لأول مرة من سنين.
وشوفتها بعين مختلفة.
قلت بهدوء
عايز أكلمك.
ابتسامتها اختفت.
وقالت
خير؟
قعدت قدامها.
وحطيت الملف على الترابيزة.
أول ما شافت الورق اتوترت.
وقالت
إيه ده؟
فتحت أول صفحة.
وسبتها تقرا.
ومع كل سطر لون وشها كان بيتغير.
لحد ما وصلت لآخر صفحة.
ورجعت تقفل الملف.
وتقول
أنا عملت كده لمصلحتك.
ضحكت.
ضحكة مرة.
مصلحتي؟
آه.
إزاي؟
البنت دي مكانتش مناسبة ليك.
يعني تمنعيني أعرف إن مراتي حامل؟
سكتت.
قلت
يعني تمنعيني أعرف إن عندي ولاد؟
سكتت أكتر.
ولأول مرة في حياتي شفت أمي مش لاقية رد.
قمت واقف.
وقلت
أنا عندي حفيد وحفيدة يا أمي.
ملامحها اتجمدت.
إيه؟
عندي ولد وبنت.
أمي قامت واقفة.
فين؟
في إسكندرية.
وأمهم؟
ندى.
بدأت تتكلم بسرعة.
لازم نجيبهم.
هنا فهمت.
هي متغيرتش.
نفس التفكير.
نفس السيطرة.
قلت بحزم
محدش هيجيب حد.
دول ولادك.
وأمهم أمهم.
أنا جدتهم.
آه.
يبقى من حقي أشوفهم.
بصيتلها شوية.
وقلت
لما ندى توافق.
اتصدمت.
واضح إنها أول مرة حد يوقفها بالشكل ده.
الأيام اللي بعدها بدأت أنزل إسكندرية كل أسبوع.
في الأول ندى كانت حذرة.
طبيعي.
أنا اختفيت من حياتها تلات سنين.
مفيش أب يرجع فجأة ويتعامل كأنه موجود من البداية.
لكنها كانت محترمة.
ومنعتش العيال عني.
كنت أروح أقعد معاهم ساعتين.
تلاتة.
أرجع.
بعدها بأسبوعين.
بقيت أخرجهم الحديقة.
بعد شهر.
بقوا أول ما يشوفوني يجروا ناحيتي.
وأول مرة آدم قال
بابا.
وقتها حسيت إن قلبي وقف.
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها بالنسبالي كانت أغلى من أي صفقة عملتها في حياتي.
رجعت العربية يومها وعيطت.
يمكن أول مرة أعيط من سنين طويلة.
مرة وأنا قاعد مع ندى في كافيه قريب من البحر.
قلت
ليه مسامحتيني أشوفهم؟
ابتسمت بهدوء.
وقالت
عشان ذنبهم إيه؟
مش خايفة أجرحهم؟
خايفة.
طب ليه؟
بصت للبحر.
وقالت
عشان مهما حصل بيني وبينك... هما محتاجين أبوهم.
ساعتها فهمت قد إيه الست دي كانت أكبر مني بكتير.
أنا كنت فاكر القوة فلوس ونفوذ.
لكن القوة الحقيقية كانت قاعدة قدامي.
ست اتكسرت.
واتظلمت.
واتربى عليها طفلين لوحدها.
وبرضه قلبها متحولش لحجر.
بعد ست شهور.
العلاقة بيني وبين آدم ويارا بقت قوية جدًا.
وأمي بدأت تزورهم أحيانًا.
لكن بعد اعتذار طويل وصعب من ندى.
وأمي لأول مرة في حياتها كانت بتحاول تكسب رضا حد.
يمكن لأنها أدركت حجم اللي ضيعته.
وفي يوم.
كنت واقف مع ندى على كورنيش إسكندرية.
العيال بيلعبوا قدامنا.
الهوا كان هادي.
والشمس قربت تغرب.
قلت
ممكن أسألك سؤال؟
اتفضل.
عمرك فكرتي تتجوزي بعدي؟
سكتت شوية.
وقالت
ناس اتقدمت.
ورفضتي.
آه.
ليه؟
ابتسمت.
وقالت
عشان كنت مركزة مع ولادي.
هزيت راسي.
وسكت.
بعد دقيقة هي اللي سألت
وأنت؟
إيه؟
اتجوزت؟
ضحكت.
لا.
ليه؟
بصيت للبحر.
وقلت الحقيقة لأول مرة
يمكن عشان عمري ما حبيت غيرك.
ندى بصتلي.
وسكتت.
مقالتش حاجة.
لكن لأول مرة من يوم رجعت...
شوفت في عينيها نظرة مختلفة.
مش حب.
لسه بدري على ده.
لكن مش كره كمان.
يمكن قبول.
يمكن بداية غفران.
بعد سنة كاملة.
بقى عندي بيت في إسكندرية.
مش عشان الشغل.
عشان أقرب من ولادي.
وواحدة واحدة بدأت الثقة ترجع.
مش بسهولة.
ومش بسرعة.
لكن خطوة خطوة.
لأن الجروح الكبيرة مبتخفش في يوم.
وفي يوم عيد ميلاد آدم ويارا الرابع.
كنا كلنا قاعدين حوالين التورتة.
العيال بيغنوا ويضحكوا.
وأمي قاعدة جنبهم.
وندى واقفة بتصور.
بصيت للمشهد كله.
وافتكرت يوم الطلاق.
اليوم اللي افتكرت فيه إني انتصرت.
لكن الحقيقة إني كنت بخسر أغلى حاجة في حياتي.
أسرة كاملة.
لولا رحمة ربنا.
ولولا صبر ندى.
مكنتش هرجع ألاقيها تاني.
ولما آدم مسك إيدي.
ويارا حضنت ندى.
عرفت إن السعادة عمرها ما كانت في الشركات.
ولا الحسابات البنكية.
ولا النفوذ.
السعادة كانت هنا.
في بيت بسيط.
ولاد بيضحكوا.
وأم صبرت.
وفرصة تانية ربنا اداهالي بعد ما كنت ضيعتها بإيدي.
تمت القصة.