بعد تلات سنين من اليوم اللي مضيت فيه قسيمة طلاقنا، مكنش ورايا غير سؤال واحد هيموتني: يا ترى ندى عايشة إزاي دلوقتي؟
المحتويات
في بطنها حتتين مني!
قعدت لوحدها في المحكمة.. مضت لوحدها.. وبصمت لوحدها.. ولمت شنطها وراحت محطة رمسيس لوحدها.. وولدت في الغربة لوحدها!
افتكرت آخر كلمة قالتها ليا وهي ماشية بكرة تندم يا شريف.. والأيام بيننا.
أهو ندمت.. ندم العمر كله.. بس الندم ده هيفيد بإيه دلوقتي؟
العيال بقوا سنتين ونص، يا ترى بيقولوا لراجل تاني يا بابا؟
هي ندى اتجوزت؟ ولو اتجوزت،لا معقوله تتجوز غيري
كل ما أفكر، دمي يغلي أكتر. قمت وقفت قدام الواجهة الإزاز بتاعة المكتب الكبيرة اللي كاشفة المهندسين كلها فتحت الأسماء، وجبت رقم ندى. تلات سنين مرفعتش عليها سماعة التليفون، ومأعرفش الخط لسه شغال ولا رمته في البحر.
دوست اتصال..
الخط فتح!
ألو؟
بس الصوت اللي رد مكنش صوت ندى.. كان صوت راجل!
إيدي قفشت على الموبايل لدرجة إن ضوافري علمت في جلد جراب التليفون، وقلت بحدة عايز أكلم ندى الشافعي.
مين معايا؟
أنا جوزها القديم.
الناحية التانية سكتت ثانيتين.. وبعدين الراجل ضحك ببرود مستفز وقال لي
طليقها يعني؟ طب يا كابتن أنت نمرتك غلط، ده تليفون مراتي.
وقفل السكة في وشي!
عروق إيدي اتنفخت من كتر الغيظ.
مراته؟! ندى اتجوزت بجد؟! طب والعيال؟ بيقولوا للراجل ده يا بابا؟!
أخدت جاكيت البدلة وطلعت أجري برة المكتب.
السكرتيرة قامت مخضوضة وسألتني شريف بيه! رايح فين؟
على إسكندرية.
بس حضرتك عندك ميعاد بالليل مع...
إلغي كلووو!
مشيت لا جريت كنت بغلي من جوايا طول الطريق ...اقل من تلت ساعات وكنت قدام بيتها
ضربت جرس الباب وفضلت مستني على نار
واول ما الباب اتفتح اتجمدت زي الصنم والصدمه شلت كل كياني من اللي شوفته !!!!!!!
اتجمدت مكاني فعلًا.
الباب اتفتح ببطء، وأول حاجة وقعت عيني عليها كانت طفلة صغيرة واقفة ورا الباب، ماسكة دمية قماش قديمة.
بنت بعينين عسلي شبه عيني بالظبط.
ولما رفعت وشها وبصتلي، حسيت إن الأرض بتميد بيا.
الطفلة قالت بصوت بريء
حضرتك مين؟
لسه هرد، لقيت ولد صغير خرج من جوه الشقة يجري عليها وهو بيضحك.
ونفس الصدمة اتكررت.
نفس الملامح...
نفس العيون...
نفس طريقة الوقوف وأنا صغير.
كأني شايف صورتين مصغرتين مني.
وقبل ما أنطق بحرف، سمعت صوت جاي من جوه
مين يا يارا؟
الصوت ده...
ندى.
بعد ثواني ظهرت في آخر الطرقة.
كانت شايلة شنطة خضار في إيديها.
وأول ما شافتني...
اتجمدت هي كمان.
الشنطة وقعت من إيديها.
البرتقان اتدحرج على الأرض.
والهدوء اللي نزل بينا كان مرعب.
لا أنا عارف أتكلم.
ولا هي قادرة تتحرك.
ولا حتى العيال فاهمين إيه اللي بيحصل.
عدت ثواني طويلة.
وبعدين ندى أخدت نفس عميق وقالت بهدوء غريب
ادخل.
دخلت.
وأول ما قعدت في الصالون حسيت بغصة في قلبي.
الشقة بسيطة جدًا.
أبسط بكتير من أي مكان كانت عايشة فيه معايا.
مفيش أثاث فخم.
مفيش رخام.
مفيش نجف مستورد.
بس فيه حاجة عمرها ما كانت موجودة في بيتي...
راحة.
رسومات أطفال على الحيطان.
لعب صغيرة مرمية.
صور للعيال في كل مكان.
ندى دخلت المطبخ تعمل عصير للعيال.
وأنا قاعد أبص حواليّا.
فجأة عيني وقعت على صورة كبيرة فوق المكتبة.
اتنفست براحة لأول مرة من ساعة ما وصلت.
الصورة كانت لندى مع طفلين فقط.
مفيش راجل.
مفيش زوج.
مفيش حد غيرهم.
لحد ما خرجت ندى.
حطت العصير للعيال.
وقعدت قدامي.
وقالت
خير يا شريف؟
بصيتلها.
لأول مرة من تلات سنين.
وقلت
دول ولادي؟
سكتت.
ثواني طويلة.
وبعدين قالت
آه.
الكلمة نزلت عليا كأنها جبل.
كنت عارف.
شايف الشبه بعيني.
لكن سماع الحقيقة كان حاجة تانية.
سألتها
ليه مخبتيش عليا؟
ضحكت ضحكة حزينة.
وقالت
أنا مخبيتهمش.
إزاي؟
أنا حاولت أكلمك أكتر من مرة.
سكتت لحظة.
وكملت
أول مرة سكرتيرتك قالتلي حضرتك مش فاضي.
تاني مرة المساعد قال متتصليش تاني.
تالت مرة أمك هي اللي ردت.
قلبي وقع.
كنت عارف أمي.
لكن عمري ما تخيلت.
ندى كملت
قالتلي بالحرف... لو حامل يبقى تنزليهم.
اتخضيت.
إيه؟!
وده اللي حصل.
الصدمة خبطتني من جديد.
ندى بصت بعيد.
وقالت
وقالتلي كمان إنك مش عايز تشوفني ولا تسمع اسمي.
فضلت ساكت.
مش قادر أدافع.
لأن جزء جوايا كان مصدق إن أمي ممكن تعمل كده فعلًا.
ندى كملت
بعدها قررت أختفي.
ليه؟
عشان كرامتي.
السكوت رجع تاني.
الولد والبنت كانوا بيلعبوا على السجادة.
وأنا ببصلهم كأني أول مرة أشوف الحياة.
سألتها
اشتغلتي إيه؟
ابتسمت.
وقالت
أي حاجة.
يعني؟
اشتغلت مدرسة خصوصي.
واشتغلت ترجمة.
واشتغلت أونلاين.
واشتغلت في حضانة.
وأوقات كنت بشتغل شغلانتين مع بعض.
حسيت بحاجة بتعصر قلبي.
أنا وقتها كنت بوقع عقود بملايين.
وهي كانت بتحارب عشان تربي طفلين لوحدها.
بصيت على الولد.
وقلت
اسمه إيه؟
آدم.
بصيت للبنت.
ودي؟
يارا.
قربت مني يارا فجأة.
وقالت
إنت زعلان؟
اتخضيت.
ليه؟
قالت
عشان عينيك فيها دموع.
ساعتها حسيت فعلًا إني هعيط.
بعد ساعة كاملة من الكلام...
قمت أمشي.
ندى وصلتني للباب.
وقبل ما أخرج سألتها السؤال اللي كان قاتلني.
اتجوزتي؟
ندى استغربت.
لأ.
أمال الراجل اللي رد عليا؟
فجأة ضحكت لأول مرة.
ضحكة حقيقية.
وقالت
ده أخويا أحمد.
وقفت مبرق.
وهي كملت
أنا كنت سايبة الموبايل عنده.
حسيت إني كنت عايز الأرض تبلعني.
كل الغيرة والغضب والجنون اللي جيت بيهم طلعوا على الفاضي.
وقبل ما أمشي قلت
ممكن أشوفهم تاني؟
ندى بصتلي شوية.
وقالت
على حسب.
حسب إيه؟
حسب جاي تشوفهم عشان هم ولادك...
وسكتت لحظة.
...ولا عشان ضميرك بدأ يصحى.
الكلام دخل في قلبي زي السهم.
لأني لأول مرة من سنين...
معرفتش أرد.
رجعت القاهرة وأنا مش نفس الشخص.
طول الطريق كنت فاكر كل تفصيلة.
كل مرة سبتها لوحدها.
كل مرة فضلت شغلي عليها.
كل مرة صدقت أمي ومسمعتش منها.
ولأول مرة في حياتي...
حسيت إن الفلوس مش هتعرف تصلح كل حاجة.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها...
إن الصدمة الحقيقية لسه جاية.
لأن كريم كان مستنيني الصبح بتقرير جديد...
وتقرير المرة دي كان فيه سر خطير جدًا يخص أمي...
وسر هو السبب الحقيقي اللي دمر جوازي من الأساس.
تاني يوم الصبح دخلت الشركة بدري بشكل عمره ما حصل.
منمتش غير ساعتين بالعافية.
كل ما أغمض عيني أشوف آدم ويارا.
أشوف ضحكتهم.
وأشوف ندى وهي قاعدة قدامي بنفس الهدوء اللي كان بيكسرني أكتر من أي خناقة.
وصلت مكتبي لقيت كريم مستنيني برا.
أول ما شافني وقف وقال
صباح الخير يا فندم.
قلت بسرعة
هات التقرير.
ملامحه اتغيرت شوية.
وقال
حضرتك لازم تقراه بهدوء.
حسيت
متابعة القراءة