من سنين طويلة، أبويا رماني أنا وأمي ومشى من حياتنا من غير حتى ما يبص وراه.

لمحة نيوز

قاوم بكل قوته، ووقف في وجههم عشان يمنعهم من الوصول لنا، وكل ما يحاول أحدهم يمر من جنبه، كان يصدّه بكل ما أوتي من قوة، وكل كلمة كان يقولها لي كانت امشي يا أحمد أنا آسف يا ولدي سامحني لو قدرت!
دموعي كانت بتنزل بغزارة، وقلبي كان بيتقطع من الألم، لأني أخيرًا عرفت الحقيقة، وعرفت إن كل كرهي وغضبي طول السنين كان مبني على ظلم وفهم خاطئ، وإن الراجل اللي ظننته قاسي بلا قلب، كان أطيب وأشجع راجل في الدنيا، وكل عمله كان من أجل حمايتنا.
بعد دقائق بدت كأنها ساعات، سمعنا صفارات سيارات الشرطة قادمة من بعيد، وبدأت تقترب بسرعة. حسن العجمي شافها واتأكد إنه خلاص وقع في الفخ، فحاول يركب العربية ويهرب، لكن أبويا ركض نحوه بآخر نفس فيه، ومسك باب العربية ومنعه من إغلاقه، وصرخ فيه مش هتهرب يا حسن مش هتظلم حد تاني ولا تهدد حياة حد تاني!
حسن حاول يدفعه ويضربه، ووقع بينهم اشتباك قوي، وفي اللحظة دي وصلت سيارات الشرطة وحاصرت المكان، ونزل الضباط بسرعة وسيطروا على الحالة، وألقوا القبض على حسن والحارسين بتوعه، وهم مغلولين الايدي.
بمجرد ما هدأت الأمور، جريت على أبويا اللي كان واقف متكئًا على العربية، وجسمه مرتعش، ووجهه شاحب جدًا، وعلى كتفه وجرح بسيط من الاشتباك، لكنه كان يبتسم أول ما شافني قادم ناحيته. وقعت قدامه على ركبتي، ومسكت إيديه وبدأت أبكي بحرقة، وقلت له بصوت متقطع من البكاء أنا آسف يا بابا آسف إنّي ظلمتك طول السنين، آسف إنّي كرهتك وسبتك ومشيت، وأنت كنت بتحميني بكل حياتك سامحني يا رب سامحني!
أبويا انحنى عليا، لأول مرة في حياتي، دافئة مليئة بالحنان اللي كان مخبيه لسنوات طويلة، وقال لي بصوت خافت ومرهق مش لازم تعتذر يا أحمد أنا اللي لازم أطلب منك السماح، لأني حرمتك من أبوك طول كل السنين دي، وحرمتك من الشعور بالأمان والحنان، كل ده عشان خوفي، وكل ده بسببي أنا لوحدي. لكن الحمد لله ربنا قدر لي إني أقدر أحميك في النهاية، وأكشف الحقيقة قبل ما يحصل لك أي سوء.
الناس كلهم كانوا واقفين يتفرجوا، وبعضهم بدأ يبكي ويتأثر بالموقف، وسارة جت ووقفت جنبي، ومسكت إيدنا مع بعض، وقالت لأبويا بصوت رقيق أهلاً بيك يا عم كمال من النهاردة مش هتبقى غريب ولا مختفي، هتبقى بينا، ونعوضك كل الأيام اللي ضاعت منا كلنا.
بعد كده، أخذت الشرطة كل الأطراف للتحقيق، وبدأوا يستمعوا لأقوالنا، وظهرت كل الحقائق واضحة، وثبت إن حسن العجمي كان متورط في جرائم كتير، وتزوير في وثائق وفواتير وفاة، وتهديدات، ومحاولات اغتيال، فأُودع السجن ليحاسب على كل أفعاله.
رجعنا للمنزل، وكنت جايب أبويا معايا، وبعد ما اطمأننا وهدأت أعصابنا، جلسنا معًا، وبدأت الحكايات تتوالى، وبدأ يعرفني على كل تفصيل صغير ومرّ به طول الفترة اللي كان مختفي فيها. قال لي إنه كان يسكن في منطقة بعيدة جدًا، ويعمل في أعمال بسيطة بسيطة عشان يكفي قوت يومه، وكان يأتي للقاهرة كل فترة بعيدة، يقف بعيدًا يشوفني وأنا رايح جاي، ويسمع أخبار نجاحي من الناس، وكل مرة كان بفرح ودموعه تنزل، ويدعو لي من قلبه، ويتمنى لو كان قادر يقول لي أنا فخور بيك يا ولدي.
حكيت له عن أمي، وكيف كانت طول عمرها تقول لي إن أبوك راجل طيب، وإن فيه سر مخبي، وإن الأيام هتظهر الحقيقة، وإنّي لازم ما أحمل عليه كرهًا، لكن كنت وقتها مش أصدق، وكنت أعتقد إنها بتحاول تهدئني بس. وابتسم أبويا وقال هي كانت تعرف شوية من الحقيقة، لكن ما قالتش كل حاجة خوفًا عليك، وخوفًا إن الكلام يخرج في أي مكان ويصل لسمع حسن، فكانت تفضل الصمت على أن تجلب لنا الأذى.
مرت الأيام، وبدأنا نرتب أمورنا، والفرح تأجل ليوم آخر، يوم أجمل وأطهر، حيث كان أبويا معانا وسط الأهل، فرحان وضاحك، يشاركنا كل لحظة، ويعوض كل اللحظات اللي فاتت. المعازيم كانوا سمعوا الحكاية، وكلهم جوا يباركوا ويقولوا إنها قصة نادرة، وإن الله أراد أن يكشف الحق وينصر الضعيف، ويعطي كل ذي حق حقه.
في يوم الفرح الجديد، كان أبويا واقف جنبي، بيلبس أجمل ما عنده، وشه مشرق كأنه شاب من جديد، وعينيه مليانة دموع الفرح. ولما كتبنا الكتاب، وقف يقرأ الفاتحة، ويدعو لنا بكل خير، وقال لي بصوت واضح قدام الجميع اللي تعلمته في حياتي كلها يا أحمد، إن الحقيقة مهما طال غيابها، لابد تظهر في يوم، وإن الندم مش كفيل بيعوض ما فات، لكن الفداء والحب هما الطريق الوحيد للراحة والغفران. وإن الأب مش بس هو اللي يبقى جنب ولده دائمًا، بل هو اللي يضحي بكل حاجة عشان يشوفه سليمًا آمنًا، حتى لو كان الثمن حياته نفسها.
وبعد الفرح، كنا نجلس في البيت أنا وسارة وأبويا، نتكلم ونضحك، وكل لحظة كأنها هدية جديدة من الله. بدأت أسأله عن كل التفاصيل، وبدأنا نعوض عشرين سنة من الغياب في شهور قليلة، وكأن الزمن عاد بنا للوراء، لكن هذه المرة بدون خوف ولا سر ولا كره.
أمي كانت في البداية مصدومة لما رأت زوجها بعد كل السنين، ثم بدأت تبكي بحرقة ،
وكلاهما كانا يعتذران لبعضهما البعض، ويتحدثان عن الأيام الصعبة التي مروا بها، وكيف كان كل منهما يظن إن التضحية دي هي الطريق الصحيح، وإن ربنا كان يحمينا رغم كل شيء.
مع مرور الأشهر، تحسنت صحة أبويا، وبدأ يعيش معانا بكل هدوء وراحة، وكل صباح كنت أجده في الصلاة أو يقرأ في القرآن، ويقول لي إن الراحة النفسية اللي شعر بها من يوم ما ظهرت الحقيقة، ما شعر بها طول عمره. كنت أشوفه يلعب مع الأطفال الصغار من الأهل، ويساعدهم، ويعلمهم، وكأنه عاد ليعيش طفولته مرة ثانية معهم.
وذات يوم، سألته لو رجع بك الزمن لوراء يا بابا هتعمل نفس الشيء؟ هتختفي مرة تانية عشان تحمينا؟
بص لي بتفكير، ثم ابتسم وقال الحقيقة يا ولدي، لو رجع الزمن، كنت هختار نفس الطريق عشان أحميكم، لكن كنت أتعامل معاه بطريقة أحسن كنت أتأكد من أنكم تعرفوا إنّي لسه معاكم في القلب، وإن اختفائي مش هجران، بل تضحية. لكن ما يهمني دلوقتي إنكم بخير، وإنّي جنبكم، وإن ربنا كتب لي فرصة أتعوضكم عن كل شيء فات.
تعلمت من هذه القصة دروس كتير، إن الظاهر مش دائمًا الحقيقي، وإن الحكم على الأمور من غير معرفة الحقيقة غالبًا ما يكون ظلمًا، وإن الحب الحقيقي مش بس بالكلام ولا بالوجود الظاهر، بل في التضحية والصبر والحرص، وإن الندم الحقيقي بيظهر في الأفعال، وإن الفرصة للتعويض والبداية الجديدة دائمًا موجودة ما دام فيه نفس في الحياة.
والحمد لله، إن الدنيا كتبت لنا نهاية سعيدة، وإن الحق انتصر، والعدل تحقق، والقلوب تصالحت، وعرفت أخيرًا إن الأب الحقيقي هو من يظل يحمي أبناءه حتى وإن كان على حساب سمعته، وحتى وإن كان بعيدًا عنهم، فالحب في القلب لا يموت، والروابط الأسرية مهما انقطعت، فالزمن قادر على أن يعيدها أقوى وأعمق من أي وقت مضى.

تم نسخ الرابط