من سنين طويلة، أبويا رماني أنا وأمي ومشى من حياتنا من غير حتى ما يبص وراه.
المحتويات
كلها؟ قولي لي الحقيقة دلوقتي قبل ما أفقد عقلي!
أبويا نزل راسه شوية، ودموع بدأت تنزل على خده، وقال بصوت كله ندم ووجع عارف إنك تكرهني يا أحمد وعندك حق تكرهني وتلعنني حتى، بس صدقني إنّي ما هجرتكم باختياري، ولا كنت أقدر أظهر قدامك طول السنين دي خوفًا عليك وعلى أمك من المصير اللي كنت هتقعوا فيه لو ظهرت.
وقبل ما يكمل كلامه، حسن العجمي زعق بصوت عالي كفاية كلام فارغ يا كمال! أنت وعدتني إنك هتسكت للأبد، وإنك هتبقى مختفي ولا يسمع لك حس! وإلا كنت قلت للجميع الحقيقة اللي بتخليك أنت اللي السبب في كل حاجة!
الناس بدأت تتجمع وتتساءل، وبعضهم خاف وابتعد شوية، وسارة مسكت إيدي بقوة وقالت لي يا أحمد إيه كل ده؟ خد بالك على نفسك!
أبويا رفع راسه وبص لحسن العجمي بكل شجاعة، كأنه خلاص قرر يفتح الحقيقة مهما كانت العواقب، وقال له بصوت عالي يسمعه كل اللي واقفين أنا سكت لخمس وعشرين سنة يا حسن سكت عشان أحمي زوجتي وولدي، لكن النهاردة مش هسكت أكتر! لو كان الثمن حياتي، فأنا مستعد أدفعه عشان أنقذ ابني وآخر حاجة بقيت لي في الدنيا!
وبعدين لف عليا، ومسك كتفيه بإيديه المرتعشتين، وقال لي وهو بيبكي بحرقة اسمعني كويس يا أحمد، وصدقني لو مرة واحدة في عمرك، قبل ما يكون فات الأوان. الحكاية بدأت قبل ما تولد أنت أصلاً كنت أنا وحسن شغالين مع بعض في مشروع تجاري كبير، وكنت أثق فيه ثقة عمياء، زي الأخ بالظبط. لكن اكتشفت بعد فترة إنه بيتعامل في حاجات ممنوعة، وبيغش الناس ويسرق أموالهم، وإن المشروع ده مش شرعي من الأساس.
توقف شوية ياخد نفسه، ودموعه بتزيد، وكمل حاولت أوقفه، وقلت له إنّي هبلغ السلطات لو ما رجعش عن غلطه، ووقتها هددني قال لي لو تكلمت كلمة واحدة، هيدمرني ويدمر كل اللي بحبهم. وبدأت التهديدات تزيد، وبدأت ألاحظ ناس غريبة بتتبعني وبتقف قدام بيتنا، وكنت خايف عليك وعلى أمك لما كنت لا زلت رضيعًا. ففكرت في الحل الوحيد اللي ممكن يحميكم إني أختفي، وأجعل الكل يعتقد إنّي هجرتكم بلا سبب، وإنّي راجل قاسي بلا قلب. فمشيت وسيبتكم، وعشت في الظلام، مش عارف أزوركم ولا أسأل عليكم، بس كنت كل يوم أراقبكم من بعيد، أتأكد إنكم بخير، وكنت بفرح بفرحك وبحزن بوجعك من غير ما تدرك.
الكل كان ساكت، حتى حسن العجمي سكت شوية، ووجهه اتغير وظهر عليه الغضب. كمل أبويا كلامه بصوت أعمق وأقوى ولما حسن اكتشف إنّي لسه عايش ومشيت بس، قرر يتابعني ويضغط عليا أكتر. وفي يوم من الأيام، حصل خلاف كبير بينه وبين شريك آخر، وحاولوا يصفيوا الحسابات، فزوروا حادثة وقالوا إن حسن مات فيها، واختفى هو كمان لفترة عشان يغير شكله ويرتب أموره. لكنه رجع مؤخرًا، وعرف إنك كبرت ونجحت في حياتك، وإنك شغال في شركة كبيرة ليها علاقات قانونية قوية، وخاف إنك يوم ما تعرف الحقيقة، أو إنك تتعامل مع ناس ممكن تكشف ماضيه، فقرر يتخلص منك قبل ما تكبر وتصير خطر عليه.
بصيت له وعقلي كان بيعمل آلاف الحسابات، وكل الذكريات اللي كنت ألومه عليها بدأت تتغير معناها قدامي. كنت أتذكر نظراته البعيدة من وراء الشبابيك في الأعياد، وكنت أعتقد إنها نظرة لامبالاة، لكنها كانت نظرة خوف وحرص. كنت ألومه إنه ما سألش عليا في مرضي، لكنه كان موجود قريب، بس ما قدرش يقترب خوفًا من أن يكشف وجوده ويجلب لي الأذى.
حسن العجمي ضرب على باب العربية بقبضته وقال بغضب كفاية كلام كذب وتضليل! هتقنعهم بإيه يا كمال؟ إنك راجل طيب وهجرتهم من أجلهم؟ كل ده كلام فارغ! أنت كنت شريكي وعارف كل أسراري، ولازم تختفي نهائيًا، وابنك كمان لازم يختفي عشان ما يفضحنا!
وفجأة، فتح باب العربية التاني، وخرج منه راجلين تانيين، واضح عليهم إنهم حراسه الخاصين، وبدأوا يقتربوا نحونا. الناس بدأت تصرخ وتتفرق، والخوف عم المكان. أبويا مسكني من إيدي وشدني وراه، وقال لي بسرعة اركض يا أحمد خد سارة واركض من هنا بسرعة، متفكرش في أي حاجة، المهم إنكم تصلوا لمكان آمن!
قلت له بسرعة وأنا ماسك إيد سارة اللي كانت بتعيط من الخوف وأنت؟ مش هسيبك لوحدك معاهم!
رد عليا بصوت كله عزم وصدق أنا قضيت عمري كله خايف ومختفي، والنهاردة قررت أعوضك عن كل السنين اللي ضاعت، ولو كان الثمن حياتي، فهي أغلى هدية ممكن أقدمها لك عشان تعيش في أمان وفرح! امشي يا أحمد اركض!
في اللحظة دي، رأيت الحارسين بيجروا نحونا، وحسن نزل من العربية كمان، وبدأوا يتجهوا ناحيتنا بسرعة. أبويا وقف في طريقهم، ودفعني بقوة ناحية اتجاه الناس، وقال لي بصوت عالي اتصل بالشرطة يا أحمد بلغهم بكل حاجة، وقل لهم إن حسن العجمي لسه عايش وبيخطط لقتلك!
رغم الخوف، ما قدرت أسيبه واقف لوحده، فالتفت مع سارة، وطلبت من ابن خالتي وباقي الشباب اللي كانوا موجودين إنهم يساعدوا ويمسكوا الحارسين، وبسرعة اتصلت بالشرطة وشرحت لهم المكان والحالة، وقولت لهم إن فيه جريمة على وشك الحدوث، وراجل مفترض إنه مات موجود وبيهدد أرواحنا.
حصل اشتباك سريع، أبويا رغم ضعفه وكبر سنه،
متابعة القراءة