من سنين طويلة، أبويا رماني أنا وأمي ومشى من حياتنا من غير حتى ما يبص وراه.

لمحة نيوز

من سنين طويلة، أبويا رماني أنا وأمي ومشى من حياتنا من غير حتى ما يبص وراه. وقبل فرحي بيوم واحد، استناني قدام شغلي وقال لي بصوت كله خوف
بُكرة... أول ما تخرج من مكتب التوثيق بعد كتب الكتاب... أوعى تركب أي عربية!
ضحكت وقتها وافتكرته بيهذي.
لكن يوم فرحي... الراجل اللي كرهته عمري كله انتهى بيه الحال وهو بينقذ حياتي.
اليوم اللي قبل فرحي كان المفروض يكون من أسعد أيام عمري.
كنت خارج من الشغل في وسط القاهرة، مرهق جدًا، لكن فرحان.
بعد 3 سنين حب وتعب، أخيرًا هتجوز البنت اللي بحبها... سارة محمود.
كل حاجة كانت جاهزة.
المعازيم اتأكدوا.
القاعة اتحجزت.
وتذاكر شهر العسل كانت متحجزة ومستنيانا.
وأنا نازل من باب الشركة، لمحت راجل واقف بعيد شوية عند المدخل.
في الأول افتكرته واحد غلبان من اللي الشارع رماهم.
جاكيت قديم باهت.
وشه مليان تجاعيد وتعب.
وعينيه شايلين إحساس غريب بين الندم والخوف.
لكن أول ما ركزت فيه...
اتجمدت مكاني.
كان أبويا.
الراجل اللي سابني أنا وأمي وأنا عندي ست سنين.
الراجل اللي عمره ما صرف علينا جنيه.
الراجل اللي غاب عن كل عيد ميلاد.
كل نجاح.
كل لحظة مهمة في حياتي.
ما شفتوش من أكتر من عشرين سنة.
اتحرك ناحيتي بخطوات مترددة.
وقال
يا أحمد...
ضحكت بسخرية ومرارة.
وقلت
إنت مالكش حق تنطق اسمي أصلًا.
وشه اتكسر من الوجع.
وقال بهدوء
عارف... وعارف إني أستاهل أكتر من كده.
لفيت ضهري ومشيت.
معنديش كلام أقولهولك.
قال بسرعة
أرجوك... دقيقة واحدة بس.
رغم إني كنت رافض، وقفت.
بص حواليه بتوتر كأنه خايف حد يسمعه.
وبعدين قرب وقال بصوت واطي
بُكرة... بعد كتب الكتاب...
تنهدت بضيق.
وبعدين؟
ثبت عينه في عيني وقال
أوعى تركب أي عربية.
بصيت له باستغراب.
افتكرته فقد عقله فعلًا.
إيه؟
قال بسرعة
مهما كان اللي باعتها... ومهما كان اللي سايقها... متقربش منها.
ضحكت باستهزاء.
بعد عشرين سنة اختفاء رجعت عشان تديني تحذير مجنون زي ده؟
شد على فكه وقال
أنا بتكلم بجد.
هززت راسي.
إنت اختفيت من حياتي كلها... وعايزني أصدقك دلوقتي؟
قال برجاء
يا أحمد...
قاطعته.
خلاص. كفاية.
وسبته ومشيت.
وأنا ماشي سمعته بيصرخ ورايا
افتكر كلامي بُكرة... أرجوك!
لكن ما بصتش ورايا.
بالليل حكيت لسارة اللي حصل.
ضحكت وقالت
يمكن بيحاول يصلح اللي فات.
قلت بسخرية
أو يمكن اتجنن.
تاني يوم كان جميل بشكل غريب.
الجو صافي.
والدنيا كلها كأنها بتباركلنا.
الفرح كان بسيط... لكنه مثالي.
وسارة كانت أجمل بنت شافتها عيني.
ولأول مرة من سنين طويلة...
حسيت إن الدنيا أخيرًا ظبطت معايا.
بعد ما خلصنا الإجراءات ومضينا الأوراق، خرجنا من المبنى وسط زغاريد وفرحة الأهل والأصحاب.
وفجأة...
وقفت جنب الرصيف عربية SUV سودا فخمة جدًا.
ابن خالتي ضحك وقال
واضح إن مفاجأة المواصلات وصلت!
الكل اتحمس.
الكل فرح.
الكل جري ناحية العربية.
إلا أنا.
لسبب مش فاهمه...
صوت أبويا رجع يرن جوا دماغي.
أوعى تركب أي عربية...
هزيت دماغي أحاول أطرد الفكرة.
أكيد مجرد صدفة.
أكيد الراجل خرف.
لكن في اللحظة دي...
الباب الخلفي للعربية اتفتح ببطء.
وأول ما شفت الشخص اللي قاعد جوه...
حسيت الدم بيتسحب من عروقي.
واتجمدت مكاني من الرعب...
لأن الشخص ده...
كان المفروض يكون ميت من خمس سنين!
كنت واقف مكاني مش عارف أتحرك ولا أتنفس، كأن الأرض فتحت وبلعتني. الشخص اللي شفته جوه العربية كان حسن العجمي الراجل اللي الكل قالوا عليه مات في حادث عربة غامض من خمس سنين، واللي كان معروف إنه تاجر أعمال مش نظيفة، وله تاريخ في خصومات ومشاكل مع ناس كتير. عينيه كانت ثابتة عليا، فيها نظرة باردة ومخيفة، كأنه بيتأكد إنّي شوفته وعرفته.
ابن خالتي كان واقف قدام الباب بيقول بفرحة يلا يا أحمد، تعالى اركب، العربية واسعة ومكيفة، هنوصل القاعة بسرعة قبل ما المعازيم يملوا الانتظار!
لكن رجلي مش راضية تتحرك، وصوت أبويا رجع يصرخ في وداني أقوى من الأول أوعى تركب أي عربية أوعى تقرب منها!
بصيت لسارة اللي كانت واقفة جنبي، ووشها ابتدأ يتغير ويسألني بصوت خافت مالك يا أحمد؟ وشك أصفر كأنك شفت شبح!
حاولت أتكلم لكن الكلام اتعلق في حلقي، وبصيت مرة تانية جوه العربية لقيت حسن العجمي بيلوح لي بيده بطريقة هادئة لكنها مرعبة، وهمس بصوت واطي مفيش حد غيري سمعه تعالى يا أحمد احنا لسه عندنا حساب قديم لازم نخلصه النهاردة.
في اللحظة دي، سمعت صوت جري سريع قوي قادم من بعيد، وصوت صرخة عالية بتقول مش تركب يا أحمد خد بالك!
كل الناس لفتت راسها تشوف مين اللي جاي، ولقيت أبويا بيجري بأقصى سرعته، رغم إنه واضح عليه التعب والكبر في السن، وشه كله تعرق، وجاكيته القديمة اتقطعت في مكان، وعينيه بتلمع بلهفة وخوف شديد. وصل قدام العربية وقف بيني وبين الباب، ورفع إيده كأنه بيحجزني وبيحميني، وقال بصوت مرتعش لكن واضح مش تقرب منها يا أحمد دي العربية اللي هتموتك لو ركبتها!
ابن خالتي انفعل وقال له بغضب إيه اللي إنت جاي تعمله هنا؟ مين سمح لك تدخل وسط فرحنا؟ اخرج من هنا قبل ما أجيب الشرطة!
بس أبويا ما اهتمش به ولا بحد، كل تركيزه كان عليا وعلى الشخص اللي جوه العربية. حسن العجمي ابتسم ابتسامة سخرية وقال له من جوه إيه يا كمال؟ رجعت بعد كل السنين دي عشان تحمي ابنك؟ نسيت إنّي قلت لك لو فتحت فمك بحرف واحد هتخليك تندم إنك عايش أصلاً؟
في اللحظة دي، الدنيا بدأت تتضح قدامي شوية، وعرفت إن في سر كبير مخبي مني ومن سنين، وإن اختفاء أبويا مش مجرد هجران ولا قسوة، زي ما كنت فاهم طول عمري.
بصيت لأبويا وقلت له بصوت مرتعش كمال؟ اسمك كمال؟ وأنت تعرف هذا الراجل؟ إيه الحكاية

تم نسخ الرابط