"حماتي ضربتني بالقلم قدام ابني لدرجة إني وقعت على السفرة
المحتويات
الوضع كان وصل لمرحلة ما يوصفش. نادية كانت قاعدة على الأرض قدام الخزانة القديمة، والملفات والورق مبعوثة حوليها في كل مكان، ووجهها صفر كالورق، وعينيها متسعة ومحدقة في ورقة في إيدها كأنها مش قادرة تصدق الحبر اللي مكتوب عليها. محمود كان واقف قريب منها، رأسه محني ويديه ورا ظهره، وملامحه تعبر عن خليط من الصدمة والحيرة والذنب.
كان جده محمود، المرحوم الحاج إبراهيم، راجلًا صارمًا، قليل الكلام، وكل كلمة بيقولها كانت تزن كالحديد. لما مات قبل تسع سنين، الجميع افترضوا إنه ترك البيت الواسع في حي مصر الجديدة، اللي كان من أملاكه الرئيسية، لابنه الوحيد محمود، باعتباره الوريث الشرعي الوحيد. وحتى نادية نفسها كانت تتكلم دائمًا وكأن البيت ملكها هي، تقول لزوارها ده بيتنا، ورثته لابني وله ولاده من بعده، وكانت تعاملنا أنا وآدم كأننا مجرد ضيوف مقبول وجودهم بكرم منها.
لكن الحقيقة اللي ظهرت فجأة كانت تغير كل الموازين.
نادية رفعت الورقة ووجهتها لمحمود بصوت مرتعش ومليء بالغضب والذهول
شوف يا ابن الكلب! شوف اللي أبوك كتبه! كاتب البيت كله باسم الطفل ده! إيه اللي خلى راجل عاقل زي الحاج إبراهيم يعمل كده؟ وده من سنتين قبل ما يموت، يعني لسه آدم ما كملش سنتين من عمره وقتها!
محمود هز رأسه ببطء، وهو بيقرأ نفس الكلمات اللي قرأتها أمه، وقال بصوت ضعيف
أنا مش فاهم يا ماما بابا ما كانش بيحب الأطفال الصغار كتير، ولا كان بيظهر له عاطفة كبيرة، وإزاي يخصص له بيت كامل بالشكل ده؟
نادية ضربت الأرض بقبضة إيدها، وقالت وهي تصرخ
لأ! مش بس البيت ده! شوف باقي الورق، فيه ورقة تانية، مكتوب فيها كلام أغرب وأصعب! كأنه بيقول إن الوراثة دي مش مجرد هدية، بل حق لازم يوصل لصاحبه، ومش ممكن يتغير أبدًا!
مدت ورقة تانية، وفتحها محمود، ولما قرأ السطور المكتوبة فيها بخط أبيه المعروف، حس كأن الأرض ابتلعته. السطور كانت تقول
أكتب هذا الكلام وأنا بكامل قواي العقلية، وبدون أي ضغط أو تأثير من أي شخص. هذا البيت وكل ما يحتويه، وكذلك الحقوق المرتبطة به، يكون ملكًا كاملًا لآدم ابن سارة، ويرثه بعد بلوغه السن القانوني. وهذا ليس لصالحه فقط، بل ليصحح خطأً كبيرًا ارتكبته منذ سنوات، ويحقق عدالة تأخرت طويلًا. لا يحق لأحد الاعتراض أو محاولة تغيير هذا الأمر، فهو واجب عليّ وعليكم جميعًا.
محمود رفع عينيه لامه، وقال بصوت مرتعش
إيه الخطأ اللي بيتكلم عنه هنا؟ وأي عدالة دي؟
نادية كانت تتنفس بصعوبة، ووجهها بيتحول بين الأصفر والأحمر، وبعد فترة صمت طويلة قالت بصوت خافت كأنه خرج من قبر
السر ده كان بيني وبين أبوك، وما كنتش أتخيل إنه كتبه وتركه في ورق رسمي. كنت فاكرة إنه نسيه، أو إنه خلاص انتهى مع مرور السنين.
محمود قرب منها بقلق
سر إيه يا ماما؟ قولي لي الحقيقة دلوقتي، قبل ما نعرفها من حد تاني أو من أي ورقة تانية!
نادية مسحت دمعة نزلت رغماً عنها، وبدأت تحكي الحكاية، بصوت متقطع ومليء بالندم والمرارة، كأنها بتخرج حجرًا ثقيلًا كان جواها سنين طويلة
قبل عشرين سنة تقريبًا، كنا عايشين في بيت أصغر من ده بكثير، وكان لنا جار في نفس العمارة، راجل اسمه كمال، وزوجته كانت بنت طيبة اسمها ليلى. كانوا عايشين حياة هادئة ومستقرة، لكن للأسف، ما كانش عندهم أطفال، وكل محاولاتهم لم تنجح. وقتها، كنت أنا وأبوك نعاني من مشكلة مادية كبيرة، وكنت خايفة جدًا إننا نبيع حتى البيت الصغير ده عشان نسدد ديوننا. في تلك الفترة، جاء لي أبوك وقال لي إنه لقى حلًا يخرجنا من كل أزمتنا، لكن الحل ده مش سهل، وبيحتاج منا نكتم سرًا طويل العمر.
سكتت لحظة، وعينيها تحدق في الفراغ كأنها ترى الأيام القديمة قدامها، ثم أكملت
ليلى كانت حامل في النهاية، بعد محاولات كثيرة، وكانت فرحتها لا توصف، لكن قبل الولادة بفترة قصيرة، تعرضت لحادث سيارة خطير، وماتت في المستشفى، لكن الطبيب قدر ينقذ الجنين الصغير، طفل ذكر صغير جدًا. كمال كان مكسور القلب، ومش قادر يتحمل عبء الحياة وحدو وهو يفقد زوجته ويبقى مع طفل صغير ما يعرفش حاجة في الدنيا. وقتها، جاء أبوك إليه وعرض عليه عرضًا غريبًا، لكنه كان يبدو وكأنه مخرج لنا جميعًا.
محمود قاطعها بدهشة
عرض إيه؟
عرض عليه إننا نأخذ الطفل ونربيه كأنه ابننا، ونعطيه اسمك، ونكتبه في سجلات العائلة، وفي المقابل، يدفع لنا كمال مبلغًا كبيرًا يكفينا لنسدد كل ديوننا ونعيش حياة كريمة، ويتنازل لنا عن كل حقوقه في هذا البيت اللي هو ملك له في الأصل! كمال وافق على الفور، لأنه ما كانش يريد يفقد طفله ويراه يتربى في ملجأ، وكنا نعده إننا نعامله بكل رحمة وحنان. وبالفعل، تم كل شيء بسرية تامة، وغيرنا الأوراق الرسمية، وأصبح الطفل مكتوبًا كابنك، ومش عارف أي حد الحقيقة، حتى أنت نفسك يا محمود كنت صغيرًا وقتها وما فهمت شيء.
هنا توقف الكلام في حلقها، وبصت لمحمود بعينين مليئتين بالرعب، وقالت بصوت يهمس بالكاد
والطفل ده يا محمود هو آدم.
محمود شعر وكأن الأرض انشقت تحته وابتلعته بالكامل. كلمات أمه كانت كالصاعقة التي أصابت رأسه مباشرة، وجعلته يترنح ويمسك بحافة الطاولة عشان ما يقع.
يعني آدم
متابعة القراءة