بنتي اترجتني إني ماسافرش مأمورية الشغل دي
من البيت ومعايا شنطتي فعلاً.
عشان الكل يصدق إني سافرت.
حتى مراتي.
ركبت تاكسي.
ونزلت في فندق صغير قريب من البيت.
استأجرت أوضة ليومين.
ومن الشباك كنت شايف شارعنا.
كل ده وأنا حاسس إني داخل على حاجة مش طبيعية.
الساعة كانت تسعة إلا عشرة الصبح.
شفت باب العمارة بيتفتح.
وخرجت حماتي.
لابسة عبايتها السودة.
ومسكة إيد مريم.
أما الغريب...
إن مريم كانت ماشية وراها بخطوات بطيئة جداً.
كأنها رايحة مكان هي مش عايزة تروحه.
نزلت بسرعة.
وركبت عربيتي اللي كنت سايبها بعيد عن العمارة.
وبدأت أراقبهم.
ركبوا تاكسي.
ومشيت وراه.
الطريق خرج بينا من الأحياء اللي إحنا عارفينها.
لحد ما وصلنا لمنطقة قديمة على أطراف المدينة.
شوارعها ضيقة.
وبيوتها قديمة.
وفجأة...
وقف التاكسي.
ونزلت أمينة ومريم.
وبدأت تمشي ناحية بيت كبير فعلاً.
وله باب أزرق.
زي ما مريم وصفته بالضبط.
في اللحظة دي حسيت بقشعريرة في جسمي.
ركنت بعيد.
ومشيت على رجلي.
لحد ما بقيت قريب من البيت.
كان شكله غريب.
مفيش يافطة.
مفيش اسم.
الشبابيك مقفولة.
لكن كان في أصوات أطفال جاية من جوه.
حاولت أقرب أكتر.
ولما بصيت من فتحة صغيرة في السور...
اتجمدت مكاني.
كان في مجموعة أطفال.
أعمارهم مختلفة.
واقفين في صفوف.
وفي كاميرات تصوير متثبتة.
وستات بيجهزوا الأطفال ويلبسوهم ملابس موحدة.
في البداية افتكرت أسوأ الاحتمالات.
لكن فضلت أراقب.
لحد ما سمعت راجل بيقول
المجموعة الجاية هتصور إعلان الجمعية الخيرية.
جمعية؟
إعلان؟
إيه اللي بيحصل؟
فضلت أتابع بحذر.
واكتشفت إن المكان تابع لمؤسسة بتعمل حملات إعلانية وتوعوية للأطفال الأيتام والمحتاجين.
لكن المشكلة...
إن المؤسسة دي كانت بتستغل الأطفال في ساعات تصوير طويلة جداً.
ومن غير موافقات قانونية واضحة من أولياء الأمور.
وفي أطفال كتير أهلهم أصلاً مايعرفوش.
وكانوا بياخدوا مبالغ مالية باسم الأطفال من غير رقابة.
أما أمينة...
فكانت بتجيب الأطفال مقابل مكافآت مالية بسيطة تاخدها لنفسها.
في اللحظة دي فهمت ليه مريم كانت خايفة.
مش لأنها بتتعرض لأذى مباشر.
لكن لأنها كانت بتتاخد لمكان مجهول.
وبيتصور لها فيديوهات وصور.
وبيُطلب منها تكتم الموضوع.
وده وحده كفاية يخوف أي طفل.
خصوصاً لما يتقاله
لو قلتي لحد هتحصلي مصيبة.
طلعت موبايلي.
وصورت كل حاجة قدرت أوثقها.
وبعدين اتصلت بالنجدة.
وبالجهات المختصة المعنية بحماية الأطفال.
وشرحت كل اللي شوفته.
وخلال أقل من ساعة...
وصلت سيارات الشرطة.
ومعاهم مسؤولون من حماية الطفل.
الارتباك ضرب المكان كله.
وابتدت مراجعة الأوراق والتصاريح.
واكتشفوا مخالفات كتير.
وأطفال موجودين من غير مستندات سليمة.
وأولياء أمور كتير ماكانوش عارفين أصلاً إن أولادهم بيتنقلوا للمكان ده بالشكل ده.
أما اللحظة الأصعب...
فكانت لما مريم شافتني.
جريت ناحيتي وهي بتعيط.
وارتمت في حضني.
وقالت
كنت عارفة إنك هتيجي يا بابا.
حضنتها بقوة.
وقلت
طول ما أنا عايش... محدش هيخوفك تاني.
رجعنا البيت.
وهناك كانت المواجهة.
أمينة كانت منهارة.
وقالت إنها كانت مقتنعة إنها بتعمل خير.
وإن الأطفال بيشاركوا في أعمال خيرية.
لكن الحقيقة إنها وافقت على حاجة أكبر منها من غير ما تفكر في عواقبها.
أما مراتي...
فلما عرفت الحقيقة، انهارت من الصدمة.
لأنها كانت بتثق في أمها ثقة عمياء.
بعد شهور من التحقيقات تم إغلاق المكان لحين تقنين أوضاعه ومراجعة كل الملفات الخاصة بالأطفال.
واتحطت قواعد صارمة لحماية أي طفل من المشاركة في أي نشاط من غير موافقة واضحة ومعلنة من أهله.
أما مريم...
فاحتاجت وقت عشان تتخلص من خوفها.
لكنها رجعت تضحك تاني.
وترسم.
وتلعب.
وتنام من غير كوابيس.
وفي يوم قبل النوم سألتني
يا بابا؟
نعم يا حبيبتي؟
ابتسمت وقالت
لو كنت سافرت يومها... كان إيه اللي هيحصل؟
بصيت لها وابتسمت.
وقلت
عشان كده ربنا خلاكي تقوليلي الحقيقة في الوقت المناسب.
نامت وهي مطمنة.
أما أنا...
ففضلت أبص لها شوية وأفكر في حاجة واحدة
أحياناً كلمة صغيرة بيقولها طفل... بتنقذ حياة كاملة.