أنا كنت في طريقي للمطار، في الوقت اللي خطيبي كان واقف فيه في القاعة مع أختي، وهو بيهمس لها: "أخيراً، هتحوز الست الصح."

لمحة نيوز

بس المأذون وقف كل حاجة وقال أنا مش هقدر أكمل الجوازة دي، عشان...
في نوع معين من السكوت بيحصل في المكان لما الست تكتشف إن حياتها كلها كانت كذبة مرسومة بدقة. السكوت ده ملوش صوت تكسير زجاج ولا شهقة فجائية.. ده صوته عامل زي تكتكة ساعة روليكس غالية، بتعد الثواني اللي فاضلة قبل تنفيذ حكم الإعدام.
لمدة خمس سنين، كنت أنا ليلى الشافعي.. المحرك الهادي اللي شايل كل شغل سيف المنشاوي. كنت أنا المدير المالي الشاطرة اللي فاهمة في الأرقام والاستحواذات، وسيف كان هو المهندس الكاريزما اللي كل مشاريعة العظيمة ممولة من ثروة عيلتي. كنت فاكرة إننا بنكمل بعض، مكنتش أعرف إني مجرد محطة كهرباء مشغلة أنوار اليافطات بتاعته.
الحقيقة مظهرتش بمواجهة، دي ظهرت ليلة الثلاثاء، في حفلة قبل الفرح في بنتهاوس في الزمالك. كنت لسه سايبة مجموعة مستثمرين، والأدرينالين مالي جسمي بعد ما خلصت صفقة دمج صعبة جداً. لقيت سيف واقف قدام الشباك اللي واخد الحيطة كلها، وشكله كان شيك جداً في البدلة ال تكسيدو.
قلتله وأنا بلمس دراعه يا سيف، صفقة اليابان تمت.. خلاص أمّنا خطوط الشحن.
يا دوب بصلي وهو بيشرب الشمبانيا، وعينيه كانت بتراقب حد تاني في القاعة.. كانت أختي الصغيرة، نادين. همس بصوت كله ملل وبرود متعود عليه حلو يا ليلى.. بس ياريت بكره تلبسي فستان ال إيلي صعب بدل البدلة الناشفة دي. إنتي عروسة، مش عضوة مجلس إدارة. حاولي تظهري زي أختك شوية؛ دي فعلاً بتعرف تنور أي مكان تدخله.
كلمات الفرحة وقفت في زوري واتحولت لرماد. بصيت ناحية العواميد الرخام، لقيت والدي، منصور الشافعي، واقف وماسك عصايته الأبنوس بإيد بتترعش من الغضب لدرجة إن عروق إيده برزت. عينيه كانت مرشوقة في سيف بنظرة باردة وتخوف.. أبويا كان طول عمره عارف.
بالليل، بعد ما المعازيم مشوا، لقيت في جيب بدلة سيف موبايل نوكيا قديم ومستخبي. رسالة واحدة لسه متفتحتش من أختي نادين، كانت منورة في ضلمة الدولاب
فاضل يوم واحد بس من التمثيل إنك بتحبها وبعدها ثروة آل الشافعي هتبقى ملكنا يا بيبي.
اللحظة دي كانت الحد الفاصل بين ليلى الطيبّة وليلى اللي هتحرق الأخضر واليابس. السكوت اللي ملى الأوضة مكنش سكوت صدمة وبس، ده كان السكوت اللي بيسبق العاصفة، السكوت اللي بتسمع فيه ضربات قلبك وهي بتتحول لطبول حرب. الموبايل النوكيا الهباب ده في إيدي كان أتقل من جبل المقطم، والرسالة المنورة دي كانت إمضاء على قرار إعدام سيف ونادين.. بس الإعدام ده مش هيكون برصاصة، ده هيكون ببطء، وبالقانون.
أخدت نَفَس طويل، طويل قوي، كأني بملى ريتي بالأكسجين عشان أقدر أعيش في المستنقع اللي اكتشفت إني عايشة فيه. رجعت الموبايل جيب البدلة مكانه، وطبطبت عليه كأني بطبطب على أغلى كنز عندي.. ده مش موبايل، ده مفتاح جهنم اللي هفتح أبوابها عليهم.
خرجت من غرفة الملابس بخطوات ثابتة، مفيش فيها أي رعدة، رحت للتسريحة، ولبست قناع ليلى المهبلة اللي مكنتش بعرف ألبسه غير قدام سيف. دخلت السرير جنبه، كان نايم ووشه بريء ولا كأنه لسه قايل لأختي إنه بيمثل عليا الحب. بصيت له بنظرة وداع.. وداع للسذاجة، وداع للحب الأعمى، وداع للست اللي كانت مستعدة تضحي بكل حاجة عشانه.
تاني يوم الصبح، صحيت قبل سيف. لبست البدلة الناشفة بتاعتي اللي هو مش بيحبها، ولميت شعري لورا بقسوة. رحت قعدت في البلكونة وبصيت على النيل.. النيل اللي شهد على كل ذكرياتنا، واللي دلوقتي حاسة إنه بيضحك عليا.
لما سيف صحي وجالي البلكونة، بصلي وقال بملل لسه برضه مصممة على البدلة دي يا ليلى؟ النهاردة كتب الكتاب، حاولي تكوني ليدي شوية.
ابتسمت له ابتسامة صفرا، وقلتله بصوت هادي متقلقش يا حبيبي، النهاردة هيكون يوم مش تنساه طول عمرك، وهتشوف ليلى تانية خالص.
هو افتكر إني بتكلم عن الفرحة والتغيير، فهز راسه وقال ياريت.. أنا قايم أجهز.
أول ما سيف دخل الحمام، مسكت موبايلي وطلبت رقم أبويا.
أيوة يا بابا.. صباح الخير.
صوته جالي من الناحية التانية، صوت حازم وقوي صباح النور يا ليلى.. خير؟ صوتك مش عاجبني.
قلتله بلهجة مفيش فيها أي مشاعر بابا.. أنا محتاجة خالد المحامي وأشرف الهاكر يكونوا في القاعة قبل المعازيم بساعتين.. ومعاهم لابتوب، وكل العقود اللي سيف مضى عليها.
أبويا سكت لثواني، وبعدين قال بنبرة خبيثة وأخيراً فوقتي يا بنت منصور الشافعي؟
فوقت قوي يا بابا.. فوقت لدرجة إني شمت ريحة الخيانة وهي بتتحرق.
تمام يا بنتي.. كل اللي طلبتيه هيكون موجود، وأنا كمان هكون موجود، ومش همشي غير لما أشوف حقك رجعلك، تالت ومتلت.
قفلت مع بابا، وحسيت براحة غريبة.. راحة الشخص اللي أخيراً مسك زمام الأمور في إيده بعد ما كان مفعول به.
رحت الكوافير، وعملت كل اللي سيف طالبه، لبست فستان إيلي صعب المنفوش، وحطيت ميك آب خفيف، ورفعت شعري شنيون كلاسيك.. كنت ليدي فعلاً، بس ليدي برتبة جنرال داخلة حرب.
وصلنا

تم نسخ الرابط