وصيه جدتى فوزيه

لمحة نيوز

وصية ستّي "فوزية"
​يوم قراية وصية ستّي، أمي كانت قاعدة وماليها الثقة إنها خلاص "لهفت" كل حاجة وهتكون هي الست الآمرة الناهية. بس فجأة المحامي فجر قنبلة عن تعديل سري في الوصية اتوقع قبل وفاة ستّي بتلات أيام بس. في اللحظة اللي نطق فيها المحامي بالكلام ده، وش أمي جاب ألوان، وكل اللي في الأوضة لفتوا وشهم وبصوا لي أنا.
​قراية وصية ستّي "فوزية الهواري" كانت في يوم مطرة كئيب، جوه مكتب محاماة شيك في وسط البلد. المطر كان مغرق الشبابيك، وأمي "فايزة" كانت قاعدة وحاطة إيد على إيد زي الملكة اللي مستنية التاج بتاعها. كانت لابسة طقم حرير كحلي وطقم لولي، ومرسوم على وشها نظرة الست اللي صرفت الورث كله في خيالها خلاص قبل ما تستلمه.
​الكل كان واخد باله.. خالي "إسماعيل" اللي باصص في التربيزة وساكت، وخالتي "كريمة" اللي كانت مجهزة وش الزعل والاعتراض من قبل ما حد ينطق.. وأنا كمان كنت واخدة بالي.
​ستّي ماتت وهي عندها 82 سنة بجلطة مفاجئة. وطول الـ 20 سنة اللي فاتوا، أمي كانت راسمة دور البنت البارة اللي شايلة كل حاجة؛ المواعيد، الأدوية، مصاريف البيت، وحتى جدول العيلة. بس اللي عمرها ما اعترفت بيه هو إن "السيطرة" كانت تهمها أكتر بكتير من "الحنية". من وأنا عندي 16 سنة وأنا فاهمة نظام العيلة دي: لو احتاجت لأمي في حاجة، هتدفع التمن "طاعة عمياء".
​المحامي "أستاذ رأفت" عدل نظارته وقال: "تركة السيدة فوزية بتشمل بيت العيلة اللي في المعادي، والفلوس اللي في البنك، ومحلات الهواري في وسط البلد.. وبناءً على الوصية الأصلية—"
​ابتسامة أمي وسعت أكتر.
​"—كل ده كان هيتنقل بشكل أساسي لبنتها، فايزة ميرسر."
​أمي هزت راسها هزة خفيفة، بمنتهى التعالي وكأنها بتشكر الجمهور على التصفيق. بعدها أستاذ رأفت ركن ورقة على جنب وطلع وثيقة تانية متبرشمة.
​وقال: "لكن، في ملحق للوصية اتعمل قبل وفاة السيدة فوزية بتلات أيام."
​هنا الجو في الأوضة اتغير تماماً.. حتى صوت المطر كأنه سكت.
​أمي نفسها انقطع لثانية وقالت: "نعم؟! ملحق إيه؟"
​المحامي فتح الختم وفرد الورقة وكمل بنفس النبرة الهادية المستفزة: "التعديل ده بيلغي أي وصية قديمة، وبيعيد توزيع التركة.. بيت المعادي يتباع والفلوس تتقسم بالتساوي بين إسماعيل وكريمة. أما المحلات فتتحط تحت نظام الوقف الائتماني. وباقي التركة، بما فيها حق الإدارة والتحكم المالي في المحلات والوقف، يروح لـ "هنا" (اللي هي أنا)."
​كل اللي قاعدين بصوا لي بصدمة.
​حسيت بقلبي بيدق في زوري وسألت بذهول: "أنا يا متر؟!"
​أمي قامت من مكانها لدرجة إن الكرسي عمل صوت صرخة على الأرض وزعقت: "مستحيل! الكلام ده ملوش أساس من الصحة!"
​أستاذ رأفت متهزش: "الورقة دي متوقعة قدام اتنين شهود وموثقة في مستشفى القصر العيني يوم 14 مارس."
​أمي صرخت: "كانت مش في وعيها! أكيد الأدوية كانت مأثرة على دماغها!"
​رد ببرود: "مفيش أي تقرير طبي في الملف بيقول إنها كانت فاقدة الأهلية، بالعكس، كانت في كامل قواها العقلية."
​خالي بص لي بذهول، وخالتي حطت إيدها على بؤها من الصدمة. أنا مكنتش قادرة أتحرك، لأن فجأة افتكرت آخر حوار دار بيني وبين ستّي فوزية.. اللي أمي متعرفش عنه حاجة.
​قبل ما تموت بتلات ليالي، زرتها لوحدي في المستشفى. مسكت إيدي بقوة غريبة وهمست لي: "أنا عارفة أمك بتعمل إيه كويس يا بنتي.. وعارفة إنها عاوزة تمشيكي على عماكي.. وأنا مش هسيبك محبوسة تحت رحمتها طول العمر."
​دلوقتي، أمي واقفة في مكتب المحامي، الوش اللي كان منور بالثقة بقى أبيض زي الورقة، وبتبص لي كأني أنا اللي سرقت حلم حياتها.
​ولأول مرة في حياتي، منزلتش عيني من عينيها.. وفضلت باصة لها بكل قوة.
​أمي فضلت واقفة مكانها، مذهولة، والسكوت في المكتب كان له صوت زي الصفارة في الودان. أستاذ رأفت بدأ يلم ورقه بهدوء، وكأنه مش شايف البركان اللي هينفجر قدامه.

تم نسخ الرابط