زوج امى المريض

لمحة نيوز

أنا كمان للأبد.
وما كنتش أعرف إن الدبلة اللي حطها في إيدي
الجزء الثاني الحقيقة اللي كانت مخبأة تحت التراب
الرقم اللي سمعته من فم عم سعيد فضل يرن في ودني كأنه صوت رعد بيضرب في أوضة صغيرة ومظلمة. خمسة ملايين جنيه. الكلام ده كان بيتجاوز كل تصوراتي. ده مبلغ خيالي، مفيش حد في عيلتنا حلم بيه حتى في أحلامه. وين جابهم؟ وليه أمي وإخواته كانوا مستعدين يعملوا كل ده عشان ياخدوه؟ وآخر سؤال كان الأقسى على قلبي ليه قالولي إنهم بيحاولوا يخلصوا منه؟
مسكت الدبلة في إيدي كأنها قطعة نار. كانت دبلة قديمة، مصنوعة من فضة مش مصقول كويس، وعليها نقش صغير جداً ما كنتش أقدر أشوفه كويس إلا لو قربتها من النور. شكلها مش غالية، مفيش حجارة كريمة ولا حاجة، بس لما لمستها حسيت ببرودة سارت في جسمي كله من أول راسي لحد أخمص قدمي.
عم سعيد افهمني رجاءً إيه بالظبط اللي بيحصل؟ قلت بصوتي اللي كان بيترعش رغم إني حاولت أتماسك بأقصى ما أقدر. خمسة ملايين دي منين؟ وإزاي هم بيحاولوا يخلصوا منك؟ ده كلام مش معقول!
تنهد بصعوبة، ورفع عينه للسقف كأنه بيسترجع ذكريات عمرها سنين طويلة. مسك إيدي التانية بيده اللي كانت باردة ومليانة عروق بارزة، وضغط عليها بخفة كأنه بيستمد مني القوة عشان يتكلم.
أول حاجة لازم تعرفيها يا سلمى إن الدبلة دي مش بتاعتي. سكت شوية، وبلع ريقه لما لقى الكلام صعب يطلع. دي كانت بتاعة أبوك الحقيقي.
الكلام ده ضربني في قلبي أقوى من أي ضربة. فتحت عيني عليه بذهول، وقلبي وقف عن النبض للحظة.
أبوي الحقيقي؟ كررت الكلام بصوت مكتوم. يعني إيه؟ أنا كنت فاكرة إن أبوي مات وأنا رضيعة وإنك أنت اللي خدت مكانه واتجوزت أمي وربيتني زي بنتك
وأنا فعلاً عملت كده يا بنتي. وما ندمت عليه يوم واحد في حياتي. قالها بصدق كله دفء وجع. بس الحقيقة إن اللي كنت تعرفيه عن أبوك ما كانتش كل الحكاية. اللي حد ما قالولكوش إن أبوك ما كانش مجرد راجل عادي. ولا إن وفاته ما كانتش حادثة.
حسيت بالدنيا بتلف حواليا. قعدت على حافة السرير لأن رجلي ما حملتنيش. كل حاجة كنت عايشة عليها، كل حقيقة كنت واثقة منها، بدأت تتهدم قدامي حجرة حجرة.
أبوك اسمه كريم يا سلمى. كان مهندس بترول، وشاطر جداً في شغله. في فترة من الفترات، اشتغل في مشروع كبير في الصحراء الغربية، بعيد عن البلد بآلاف الكيلومترات. بدأ يحكي بصوت هادئ مليان حنين. هناك، اكتشف حاجة ما كانش مفروض يكتشفها. اكتشف إن فيه منطقة فيها مخزون كبير جداً من المعادن النفيسة اللي ما حدش عرف عنها حاجة قبل كده. المكان ده كان مسجل كأرض زراعية مهجورة، وملك لشخص واحد بس هو أنتِ.
بصيتله مشدوهة. أنا؟
أيوه يا بنتي. وقت ما أبوك كان بيشتغل هناك، سجل الأرض باسمك من يوم ما ولدتِ، عشان يضمن لك مستقبل آمن، ومستقبل يتغير للأبد. وما أخدش حد معاه في السر غيري أنا. حتى أمك ما عرفتش بالحكاية كلها إلا بعد سنين. سكت شوية، وشد نفسة بتعب. لما أبوك قرر يعلن الاكتشاف ده ويقدمه للجهات المختصة، حصل له حادثة غريبة وهو راجع من الموقع. سيارته انقلبت في طريق صحراوي، واتوفى على الفور. كل واحد قال إنها حادثة، بس أنا عرفت من أول يوم إن ده مش صدفة.
ولماذا لم تقولوا لي حاجة؟ سألت ودموعي بدأت تتنزل غصب عني.
لأن اللي قتل أبوك ما كانش راجل واحد يا سلمى. دولة كاملة وراهم، ونفوذ كبير، وأموال طائلة بتتكلم. قال بصوت ثقيل. خفت عليكِ. خفت لو عرفتي الحقيقة يصيرلك حاجة زي ما حصل له. واتجوزت أمك عشان أحميكِ أنتِ وأخوك وأختك. وكنت مستعد أدفع عمري كله عشان تفضي في أمان. بس الحال تغيرت لما أمك عرفت بالسر.
وإزاي عرفت؟
بعد ما مرت السنين، وأنا مرضت، حسيت إن وقتي بدأ يقرب. فكرت إني لازم أخبرها جزء من الحكاية عشان لو حصل لي حاجة تعرف تساعدك. قلت لها إن فيه مال كتير مستنيكِ، وإن فيه ورق مكتوب باسمك. ضحك بمرارة. ما توقعتش إن الطمع يعمي عينها للدرجة دي. هي ما فكرتش فيكِ يا سلمى. ما فكرتش في العشرة ولا في الحب. كل اللي فكرت فيه إن الفلوس دي ممكن تخلّيها تعيش حياة ملوك هي والولاد.
وقتها فهمت كل حاجة. فهمت ليه سافروا، وليه باعوا ميدالياته، وليه حاولوا يتخلصوا منه ببطء وبدون دم. ما كانش مجرد إهمال أو قسوة. كانوا بيستنوا اللحظة اللي يموت فيها عشان ياخدوا الورق اللي فيه الحق. وهم ما يعرفوش إن الورق مش معاهم.
والورق؟ سألت بصوت ناعم. فين الأوراق بتاعة الأرض؟
بص لي بابتسامة خفيفة، ومد إيده تحت السرير، وطلع صندوق خشبي قديم ومغلق بإحكام. حطه بيننا.
كل حاجة هنا. العقود، الخرائط، التقارير اللي كتبها أبوك، وكل ما يثبت حقك. فتح الصندوق شوية، وشفت أوراق قديمة ومختومة. خبيتها في مكان ما حدش يفكر يبحث فيه. والدنيا كلها تظن إن الحكاية كلها ماتت مع أبوك.
سكت شوية، وبص لي بجدية غريبة، ومسك الدبلة اللي لسه في إيدي.
والدبلة دي؟ سألت.
دي المفتاح يا سلمى. عليها النقش اللي بيوجهك للمكان
تم نسخ الرابط