ابنى الصغير وحمام الطياره
المحتويات
قلبي وفي نفس الوقت أمل. ليه ما قالش ما أعرفهمش؟ ليه صوته كان متردد كده؟ ليه عينيه ما كانتش عايزة تطلع منّي؟
قربت خطوة وأنا بحاول أثبّت صوتي اللي بيتهتزّ، وقلت لها بهدوء رغم كل العاصفة اللي جوايا
أنا زوجته. وده ابنه. كريم اختفى منّا من تلات سنين في رحلة صيد عند رأس البر. وكل حاجة فيه الندبة، الحركة، الوجه، صوته كل حاجة هي نفسها.
الست اتأثرت كلامي، ورجعت خطوة لورا كأنّي صعقتها، وبصّت له بصدمة وقالت
صحيح الكلام ده؟ قولي لي إنه مش صحيح اسمك عمر. عايش معايا من سنتين ونص. أخبرتني إن عائلتك ماتوا في حادث.
سنتين ونص! يعني من أول ما اختفى تقريباً. يعني رجع وعاش حياة تانية من غيرنا. السكوت ساد بيننا طويلاً، وما حدش فينا عايز يكسره. بعدين هو اللي اتكلم بصوت تعبان ومكسور، بصّ لي مباشرة في عينيّ
أنا آسفة يا سيدتي. والله ما أعرفك. اسمي عمر. وابني ده شبه ابني، وشبه كل حاجة، بس أنا مش كريم.
كذب. أنا عرفت من الطريقة اللي كلمّ بيّها. عينيه كانت بتتكلم غير الكلام اللي بيطلع من فمه. كان بيتألّم وهو بيقول كده. بس ليه؟ ليه يعمل كده؟ ليه يعيش حياة تانية وينسى اللي كان بيننا؟
آدم شدّ على إيده وقال بعناد الطفولة اللي ما يرضى بالخسارة
مش تصدقيه يا ماما! هو بابا! هو بيحبنا بس مش عايز يعترف!
الست اسمها سلوى، عرفتها بعد كده كانت بتعيش في صراع رهيب، عينيه بتدوران بيني وبينه، وهي حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتها زي ما كنت حاسة أنا. قالت بصوت مخنوق
من فضلك قولي لي الحقيقة. لأنّي بحبّك يا عمر. وصدّقتك بكل قلبي. ولو فيه حاجة أخفيتها عنّي أنا أستحق أعرف.
هو تنهد بعمق، مسح وجهه بيديه كأنه بيحاول يمسح الماضي كله ويبدأ من جديد، وقال بصوت خافت
مش هينفع الكلام ده هنا. الناس بتتفرج. تعالوا نروح مكان هادي نتكلم فيه. اتفقنا؟
وصلنا لشقة سلوى في حيّ هادي قريب من البحر، وشقة أنيقة ومرتبة، وريحة عطرها بتملّ المكان ريحة لطيفة، مختلفة عن ريحة البيت اللي كنت عايشاه مع كريم. جلست أنا على كنبة، وآدم قعد جنبي ومسك إيديّ بكل قوته، وكأنه بيحميني من أي حاجة ممكن تيجي علينا. هو كريم وقف قريب من الشباك، وظهره لينا، ويده في جيوبه، وسلوى قعدت على كرسي قدامنا، بيننا وبينه مسافة طويلة مليانة بالأسئلة والشكوك.
سكتنا دقائق كأنّ كل واحد فينا بيجمع شتات نفسه. أنا كنت مستعدّة لأي حاجة إلا الصدمة اللي جاية. أخيراً هو التفت ببطء، وبصّ لينا كلنا بنظرة مليانة حزن ما شفتوش في حياتي، وبدأ يتكلم بصوت هادي بس كل كلمة بتقطع القلب
الحقيقة تقيلة أوي وكنت فاكر إن هفضل أخفيها لآخر يوم في عمري. كنت فاكر إنّي قدرت أبدأ من جديد. إنّي قدرت أكون شخص تاني. بس لما شفتك يا سارة وشفت آدم عرفت إن ما فيش بداية جديدة. الماضي بيجرّك وراه مهما بعدت.
سكت شويّة، ولعق شفتيه اللي جفت، وكمل
أنا كريم. اسمي كريم. وما نسيتكمش يوماً واحداً.
دموعه نزلت أخيراً، واختفى وراها كل حاجة كنت خايفة منها، وظهرت الحقيقة عارية تماماً. حكى لنا كل حاجة كيف رحلة الصيد اتقلب، وكيف الموج أخده بعيداً عن المركب، وكيف كان مستسلم للموت، وكيف قارب صيد تاني لقيه بعد يومين غرقان وما معاهش ذاكرة، ما عرفش هو مين ولا منين جاي.
عشت في مستشفى شهور وأنا مش عارف اسمي إيه، مش عارف لي أهل ولا لا، قال. وكنت حاسس بفراغ جوايا، بفراغ رهيب، كأنّي فقدت جزء من روحي. كنت بحسّ إن فيه ناس بحبّهم ومش عارفينهم، وإن فيه بيت مستنّاني ومش عارف مكانه. بعدين قابلت سلوى هي اللي وقفت جنبي، هي اللي ساعدتني أبدأ حياة جديدة. ولما بدأت الذاكرة ترجع لي قطعة قطعة، صور وأصوات ومشاعر كنت خايف أصدّقها. كنت خايف أتأكد. لأنّي كنت عايش معاها حياة مستقرة وهادية، وكنت عارف إن الحقيقة هتكسّر كل حاجة. وهتوجع كل واحد فينا.
سلوى كانت بتعيط بصمت، كتفها بيتحرك مع كل شهقة، وقالت بصوت بالكاد يسمع
وامتى بدأت تتذكّر؟
من حوالي سنة ونص، قال وهو باصص للأرض كأنه خجلان من نفسه. كنت بحلم بيهم كل ليلة. باحلم بسارة وآدم. بتفاصيل حياتنا الصغيرة. وكنت بصحى الصبح وأنا عايز أبكي لأنّي مش عارف أروح لهم. ولما تأكدت أخيراً إن دول حقيقتي كنت محتار أوي. إرجع لزوجتي وابني اللي تركتهم من غير ذنب؟ ولا أفضّل الست اللي أنقذتني ووقفت جنبي في أصعب أيام حياتي؟ وكل ما أتأخرّ في القرار، كانت الحواجز بتكبر أكتر وأكتر لحد ما بقيت مش عارف كيف أهدمها.
آدم قرب منه بخطوة صغيرة، وقال بكل براءة
ممكن نكون كلنا مع بعض؟ بابا مش لازم تختار.
هو نزل لمستواه، حضنه بكل قوته، ودموعه سيلان على كتف ابنه، وقال بصوت متهدّج
يا ريت الدنيا بتعمل كده يا حبيبي. يا ريت.
جلست أنا وسلوى نتكلم بعدين، بعيد عنه شويّة، وكأنّا اتنين ضحايا لظرف قاسي جداً. هي حكت لي إنها حبّته بكل صدق، وإنها ما كانتش تعرف حاجة عنّا، وإنها اختارت تثق فيه
متابعة القراءة