ابنى الصغير وحمام الطياره
ابني عنده 10 سنين رجع من حمّام الطيارة، وقرب مني وقاللي بصوت واطي
ماما بابا قاعد قدّام شوية.
بصيتله باستغراب وقلتله
مستحيل يا حبيبي باباك بقاله 3 سنين مختفي.
لكن بعدها لمحت إيد الراجل اللي قاعد قدّامنا وشفت الندبة اللي على رسغه.
نفس الندبة بالظبط.
وبعدين شوفته بيفرك بإصبعه عند قاعدة البنصر، بالطريقة اللي جوزي كان بيعملها بالظبط لما يكون متوتر أو سرحان.
قلبي وقف مكانه.
فضلت وراه وأنا نازلة من الطيارة من غير ما أقول كلمة لحد ما ست تانية نادته باسم مختلف تمامًا.
الراجل وقف، ورد عليها بمنتهى الطبيعية، كأن الاسم ده هو اسمه من سنين.
فضل ماشي جوه صالة المطار، وأنا ماسكة إيد ابني آدم، وبحاول أقنع نفسي إن الندبة ممكن تكون مجرد صدفة وإن حركة إيده ممكن تكون عادة عند أي حد.
بس آدم ماكانش بيشيل عينه من عليه.
شد إيدي وقاللي بهمس
أنا قلتلك يا ماما ده بابا.
تلات سنين فاتوا من يوم ما جوزي، كريم، خرج في رحلة صيد ناحية رأس البر.
الجو اتقلب فجأة، والموج علي، وبعد ساعات لقوا مركبه عايمة لوحدها.
لكن كريم ماكانش فيها.
جاكتته كانت لسه موجودة.
وموبايله اتلاقى بعدها.
فرق الإنقاذ فضلت تدور عليه أيام في البحر، ولفّوا المنطقة كلها، لكن ماطلعش أي أثر يفسّر حصل له إيه.
وبعد ما البحث انتهى، وصلتني الورق اللي عمري ما كنت أتمنى أمضي عليه.
في الورق بقيت أرملة.
لكن جوايا، عمر ما كان فيه وداع.
أما آدم، فالموضوع كان أصعب بكتير.
لشهور طويلة، كان كل ما يسمع صوت عربية قدام البيت يجري ناحية الباب، وهو فاكر إن باباه رجع.
كان ساعات يصحى من النوم مفزوع، ويقول إنه سمع صوت أبوه تحت.
وحتى بعد ما عدّت سنين، كان بيقف فجأة قدام أي راجل غريب لو طوله شبه طول كريم، أو صوته قريب منه، أو حتى مشيته فيها نفس الحركة.
وعشان كده، أول ما قاللي في الطيارة إنه شاف باباه، أول حاجة فكرت فيها إني أحميه من صدمة جديدة.
قلتله بهدوء
حبيبي، أنا عارفة إنك وحشاك بابا أوي بس ساعات لما بنبقى عايزين نشوف حد أوي، بنحس إن أي حد شبهه هو هو.
آدم هز راسه وقال
مش شكله بس يا ماما.
في اللحظة دي، الراجل حرّك إيده، وكمّ قميصه اترفع شوية.
ظهرت الندبة.
ندبة صغيرة قديمة في نفس المكان بالظبط اللي كان فيه جرح كريم من سنين.
حاولت أقنع نفسي إنها صدفة.
لحد ما رفع إيده التانية
وفرك قاعدة إصبع البنصر.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
نفس الحركة.
نفس الطريقة.
نفس العادة اللي كنت بشوف كريم بيعملها كل ما يكون متوتر أو بيفكر في حاجة ومش عايز يتكلم.
عادة بسيطة جدًا، لدرجة إني كنت متأكدة إن محدش غيري تقريبًا كان واخد باله منها.
لكن آدم كان واخد باله.
طول الرحلة من القاهرة للإسكندرية، ماواجهتش الراجل.
ماكلمتوش حتى.
كنت بس براقبه من بعيد.
لحد ما الطيارة وصلت، والناس بدأت تنزل.
شوفته لمّ حاجته، مسك شنطته، وخرج ناحية بوابة الوصول.
أنا وآدم نزلنا وراه.
وكنت لحد اللحظة دي مش عارفة لو وقفت قدامه هقول له إيه؟
إنت كريم؟
ولو قال لأ؟
ولو آدم اتعلّق بأمل جديد واتكسر قدامي للمرة التانية؟
مشيت وراه من بعيد، وأنا لسه غرقانة في أفكاري.
وفجأة، أول ما عدّى من بوابة الوصول، ست جريت عليه وهي بتبتسم براحة واضحة، كأنها كانت مستنياه من زمان.
وقفت قدامه ونادته باسم.
اسم مش كريم.
اسم تاني خالص.
الراجل وقف وبصلها.
وبكل تلقائية رد عليها.
ساعتها حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
بصيت على إيده.
على الندبة.
على صباعه.
وبعدين بصيت على ضهره وهو بيبعد عنها.
آدم ضغط على إيدي جامد.
وبعدين فجأة
ساب إيدي.
وقبل ما ألحق أمسكه، جري ناحية الراجل.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتنفس، وسمعته بينادي بأعلى صوته
بابا!
الراجل وقف.
وببطء شديد
استدار ببطء شديد، وكل خطوة كان بيتحركها الزمن كان بيمشي معاها ببطء أكتر. لما واجهنا، وجهه كان هو نفسه الوجه اللي عشت معاه سنين، اللي كنت بشوفه كل صباح لما أصحى، واللي كنت أغمض عيني عليه كل ليلة قبل ما أنام. بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة غريبة نظرة عينيه ما كانتش بنفس الدفء اللي أعرفه، كأن فيه طبقة رقيقة غطّت كل حاجة بيننا، حاجة خفيّة مش عارفة أسمّيها إيه.
آدم وقف قدامه، عينيه بتلمع بالدمع وبالأمل مع بعض، ومدّ إيده الصغيرة اللي كانت بترتجف شويّة وقال
بابا أنا عرفتك من الندبة. وانت بتفرك إيدك زي ما كنت بتعمل دايماً.
الراجل بصّ له بتركيز، وشفاهه اتحركت كأنه بيحاول يخرج كلمة بس ما طلعتش. بعدين رفع إيده ببطء، ولمّ شعر آدم بخفّة ولمسة إيده كانت نفسها لمسة كريم، نفس النعومة ونفس الحنان اللي ما اتغيرش. سمعته بيهمس بصوت مهزوز
يا حبيبي يا آدم.
ساعتها أنا كنت واقفة كأنّي متسمّرة في الأرض، دموعي نازلة من غير ما أحسّ، وقلبي بيتقطع ألف قطعة ويرجع يتلمّ في نفس اللحظة. الكلمة اللي قالها اسم آدم. هو عرفه. يعني مش مجرد شبه خالص. يعني فيه حاجة هنا غريبة، حاجة ما تفسّرها الكلام.
الست اللي كانت معاه قربت بخطوة، ووجهها اتغيّر، بصّت لي ولآدم بدهشة وقلق وقالت
سامحوني أنا مش عارفة إيه اللي بيحصل هنا. انتو تعرفوا بعض؟
الراجل اللي كنت لحد دلوقتي مش عارفة أنادِيه بإيه التفت لها بسرعة، وقال بصوت حاول يخليه واثق
دي دي ناس قدامى عرفتهم من زمان.
من زمان. الكلمة دى كانت طعنة في