حماتى

لمحة نيوز

كبيرة وكنت أصدق إنه بيحبني، وأخواته اللي كانوا بيعاملوني كأخت لهم، وأمه اللي كنت أعتبرها أمي التانية.. وكلهم متآمرين ضدي! كلهم عارفين بالموضوع وساكتين! عايشين على حساب حقي ودمي!
لما خلص الأكل، جمعت الأطباق ودخلت المطبخ، وسمعتهم بره بيضحكوا ويتكلموا، وفجأة سمعت حماتي تقول بصوت خافت ظنته مش هسمعه خلاص كل حاجة جاهزة، الأرض هتتباع الشهر الجاي، ونروح نعيش في الساحل زي ما كنا نحلم.. وسمعت كريم يرد عليها أيوه يا أمي، البت دي مش هتعرف حاجة، لحد ما يمر الإعلان في الجريدة وتنتهي المدة القانونية، ونستلم الفلوس.. وبعدين نبعد عنها شوية شوية لحد ما تسكت وتتقبل الواقع.. وأخته الكبيرة قالت وإيه لو عرفت؟.. قال كريم بثقة قاتلة تعرف منين؟ الأوراق كلها عندنا، والشهادة رسمية، وهي لو طالبت بحقوقها هتبدو كأنها مجنونة بتدعي إنها حية وهي ميتة في الأوراق! مين يصدقها؟
مسكت حافة الرخامة بيدي لحد ما أصابعي بيضت من الشدة، وبلعت غصّة في حلقي.. يظنّوني ضعيفة؟ يظنّوني هخاف وأسكت؟ لا وربنا، ما أنا شروق اللي ربّاها أبوها على الكرامة.. واللي يأكل حقّي يندم عليه عمره كله!
انتظرت لحد ما مشوا كلهم، وقعدت لوحدي في البيت بعد ما سكّرت الباب وراهم، وسحبت الأوراق من جيبي، وبدأت أقراها بتركيز تام، أسجل كل تفصيلة التاريخ، الأسماء، المكاتب اللي وقّعت فيها، الشهود.. وعرفت إن اللي ورّق لهم الشهادة المزورة محامي قديم كان شغال مع أبو كريم، وإن كل ده تم بترتيب مسبق من شهور طويلة، وأنا كنت غافلة عن كل حاجة!
جلست أفكر طول الليل، دموعي تارة وتفكيري تارة تانية.. كنت أقدر أروح أبلغ الشرطة من بكره.. بس ده مش كفاية! هم عملوا حاجة كبيرة ومحاولة سرقة بالغش والتزوير، ولازم ياخدوا جزاءهم الحقيقي، ومش بس أن يتحبسوا لازم يردوا لي حقي وكرامتي اللي حاولوا يسرقوها مني!
صباح يوم السبت، لما كريم طلع شغله، لبست ورحت على عنوان المحامي اللي مكتوب اسمه في الأوراق.. دخلت عليه وهو شافني بدهشة، قلت له أنا شروق زوجة كريم، واللي أنت وقّعت لها شهادة وفاة قبل شهرين.. وأنا شايفة قدامك حية أتكلم وأتنفس!
لون وجهه تغير، واتلخبط وقال إيه الكلام الفاضي ده؟ أنا مش عارفة إيه تقصدين.. رديت عليه بكل هدوء وحطيت الأوراق قدامه على المكتب ما تكدبش عليا.. دي كل الأوراق بخط يدك وتوقيعك، وأنا جايّة أقولك إنك معاهم متورط في تزوير أوراق رسمية وسرقة ورث.. ولو ما ساعدتنيش أرجع حقي ويعاقبوا كل اللي شارك في ده، أنا رايحة بك وبكل الأوراق للنيابة العامة من ساعة ما أخرج من هنا!
خاف المحامي، لأنّه عارف إنّ ده جناية مش هتعدي، وبدأ يكلمني بصدق يا ست الكل، أنا آسف.. كريم جالي وقالي إنك مريضة بمرض خطير وإنك موتي نفسك عشان أهلك، وطلب مني أعمل الشهادة عشان يقدر يتصرف في أمورك لمصلحتك.. ما كنت أعرف إنه بيخدعني!
قلت له بصرامة والآن عرفت.. فإما توقفهم وتساعدني، أو تروح معاهم في القضية.. اختر طريقك
اتفقنا على خطة.. هو يكلّم كريم ويقوله إن الإجراءات اتأخرت شوية، وإن فيه حاجات لازم تكتمل قبل ما يقدر يبيع الأرض، وفي نفس الوقت أنا بدأت أجمع أدلة تانية رحت للجهات الرسمية، وثّقت شهادة حياتي، وسجلت بلاغًا بفقدان أوراقي وتزوير توقيعي، وكل خطوة كنت أخدها كنت متمسكة بالأمل، وكل ما أتذكر إني كنت ممكن أضيع حقي وأنا ساكتة، بقى العزم فيّ أقوى وأقوى!
مرّ أسبوع.. وأنا عايشة معاهم في البيت وكأن شيء ما حصل، كريم كل يوم يسأل المحامي عن الأرض، والمحامي كل يوم يقوله صبر جميل، الإجراءات بتاخد وقت.. وذات يوم يوم الجمعة تانية بالظبط، بعد ما مرّ أسبوع على ما اكتشفت السر كنت قاعدة في الصالة، والباب خبط، ولما فتحت لقيت ضباط مباحث وقفين قدام الباب!
قلت لهم بهدوء تفضلوا، اللي جايين تاخدوه جوه
دخلوا، ولما شافهم كريم وأمه اتلون لونهم، وقام كريم وقال إيه الموضوع؟ مين اللي بلغ؟.. رديت عليه بصوت عالي سمعه كل حد في البيت أنا اللي بلغت يا كريم.. بلغت بتزوير شهادة وفاتي، وتزوير توقيعي، ومحاولة سرقة أرضي وكل ممتلكاتي وأنا حية.. ظنيت إنك تقدر تمحيني من الحياة ببعض ورق؟ أنا مش ورق أنا إنسانة ليا حق وليا كرامة!
حماتي وقعت على الكنبة وبدأت تبكي وتعيط، وقالت يا بنتي سامحيني.. كنت غصب عني، كريم هو اللي خطط لكل ده!.. رديت عليها بكل حزن وثبات لا يا سيدتي، ما كانش غصب عنك.. أنتِ وافقتِ وشاركتِ، وكنتِ بتشوفيّني أخدمكِ وأنا اللي كنتم بتخططوا تدمروا حياتي.. الرحمة اللي طلبتوها دلوقتي ما حطيتوهاش في بالكم يوم ما كتبتم اسمي في شهادة وفاة وأنا حية بينكم
أخذوهم معاهم، وخرجت وراهم، ووقفت في الشارع والناس بتتفرج، بس ما كنت خجلانة ولا حزينة.. كنت حاسة إنّي نظّفت قلبي من غشّهم، وإن العدالة بدأت تظهر!
بعد شهر، صدر الحكم.. كريم وأمه حُكم عليهم بالسجن لمدة خمس سنوات كل واحد، وغرامة مالية كبيرة، والمحامي حُكم عليه بالسجن سنتين مع إيقاف التنفيذ لأنه ساعد في كشف الحقيقة وتقديم الأدلة، وكل الأوراق المزورة ألغيت، وأرضي رجعت لي كما كانت، وكل حقوقي رجعت لي بالكامل!
كثير نصحوني أسيب البيت وأسافر، أبدأ حياة جديدة بعيد عن كل ده.. بس أنا قررت أستمر في نفس المكان، لأنّي ما عملت غلط، والغلط مش بيهرب من مكانه.. أنا اللي اتصانت، وأنا اللي رجعت حقي بيدي!
اليوم الجمعة، وأنا قاعدة في بيتي لوحدي بعد ما رجعت من زيارة لأهلي، شفت من الشرفة عيلة تانية قاعدة في شرفة بيتهم، بتتغدى مع بعض بكل حب وود، والأم بتضحك والأب بيلعب مع أولاده.. دمعة نزلت من عيني، بس دمعة مش حزن دمعة شكر وامتنان.. شكرًا لربي اللي كشف لي الغش قبل ما يفوت الأوان، ونجّاني من حياة كانت هتكون كلها كذب وألم!
عرفت في النهاية إن الكرامة بتاعت الإنسان أغلى من أي حاجة في الدنيا، وإن الحق مهما طال بياخد وقته، لابد يظهر.. وإن اللي بيحاول يأكل حق غيره بالباطل، النار بتلاقيه قبل الناس!
وأنا دلوقتي مش حزينة على اللي راح.. أنا سعيدة لأنّي عرفت الحقيقة مبكرًا، وعرفت مين معي ومين ضدي، وبدأت حياة جديدة نظيفة من كل خداع وغدر.. الحياة ما بتقف على حد، والربّ بيحفظ العباد اللي بيصونوا أماناتهم وما يبيعوا ضميرهم بثمن بخس!

تم نسخ الرابط