بنتى حكايات ليان

لمحة نيوز


قلت له بكل هدوء ممكن أكون فيه، ويدي بتشاور على الدرج: "الحنان مش بيلبس بنتك كيس زبالة و يضربها بالحزام عشان تاكل! إما تروح تسألها بنفسك، أو أنا هروح وأنا مش مسؤولة عن اللي هيحصل".

قام جوليان ببطء، واتجه لباب البيت، وأنا كنت وراه. وصلنا لبيتها اللي كان في نفس الحي، مش بعيد عننا. أول ما فتحت الباب فيكتوريا، ابتسمت بكل برود، كأننا جايين نشرب شاي، مش جايين نحاسبها على جريمة.

"أهلاً يا حبايبي، إيلين نامت؟ كانت تعبانة شوية لما رجعت" قالت وهي بتعدل ملابسها.

جوليان قال بصوت مخنوق: "إيلين مش تعبانة، هي مجروحة. مين عمل فيها كده؟"

ابتسامتها ما اختفتش، بس عينيها بقت حادة، وبصت لي وقالت: "أوه، فهمت. هي حكتلك الحكاية الغريبة دي؟ البنت بتخرف، بتتخيل حاجات عشان تهرب من اللوم. هي اللي عملت نفسها كده، أو يمكن... أنتِ اللي عملتيها وبتحاولي تلصقيها لي؟"

قلت لها بصوت عالي: "بنتي عندها ست سنين! عقلها صغير، مش هتختلق آثار حزام بهالشكل، ولا تلبس نفسها كيس زبالة وتقعد تعذب نفسها! ليه بتعملي كده؟ إيه اللي عملتهالك؟"

هنا ابتسمت ببطء، واتغيرت ملامحها تمامًا، بقت شكلها مخيف، وقالت ببرود تام:
"لأنها لازم تتعلم! أنا عملت كده من أجلكم، عشان تطلع بنت محترمة، مش بنت بتاكل لحد ما تتخن وتصير عبء على نفسها وعلى الناس. ولو حابين تتكلموا في الكلام ده، معنديش مانع، بس خدوا بالكم... أنا عندي كلام أقوله كمان. ولو فتحتوا الباب، مش هقدر أغلقه تاني."

جوليان صرخ فيها: "تكلمي! إيه اللي بتقصدي؟"

تنهدت فيكتوريا، ورجعت لورا عشان تدخل الصالة، وقالت لنا: "تعالوا، ده مش كلام على الباب. ولازم تسمعوه للآخر، قبل ما تحكموا عليّ".

دخلنا، وقعدنا قدامها، وهي بصت لنا كويس، وبدأت تحكي بصوت هادئ، بس فيه حزن قديم عميق:

"أنا ما كنتش وحشة من يوم ما اتولدت. أنا كنت بنت زي إيلين بالظبط. عندي ست سنين، بحب الأكل، بحب ألعب، وأبقى سعيدة. وأمي... أمي كانت stricter مني بكتير. كانت تقولي نفس الكلام بالظبط: البنت لازم تكون رشيقة، لازم تتحكم في نفسها، عشان لو مش كده، حد مش هيحبها، وهتبقى وحشة. وكانت تعمل معايا نفس الحاجة بالظبط: تلبسني أكياس قماش وبلاستيك تحت ملابسي، وتمنعني من الأكل، وكل ما أطلب حاجة تاكلها، تضربني بالحزام وتقولي ده لمصلحتي."

سكتت شوية، ومسحت دمعة نزلت رغماً عنها، وكملت:
"كبرت وأنا شايفة إن ده الطريق الصح. محدش قال لي إنه غلط. محدش حماني. ولما جيت أولد جوليان، كنت خايفة عليه، وخايفة عليه من الناس، وخايفة يمر بنفس اللي مريت بيه بس بطريقة تانية. ولما شفت إيلين بتاكل كتير، شفت نفسي قدامي، وخفت عليها. فكرت لو عملت معاها كده، هتتحسن، وهتبقى أحسن مني. ما كنتش عارفة إن العدوى بتتنقل زي المرض، وإن اللي كان بيحصل معايا ده كان جريمة، مش تربية!"

قامت فتحت دولاب قدامنا، وجابت صندوق قديم، وفتحته. لقينا فيه مذكرات قديمة، وصور لطفلة نحيفة قوي، هي فيكتوريا وهي صغيرة، وآثار ضرب ظاهرة على دراعاتها في الصور. وورقة مكتوبة بخط والدتها، فيها تعليمات واضحة: "تلبس الكيس كل يوم، تمنع من الحلويات، تضرب لو عصت، عشان تربّي بنت متعلمة ومحترمة".

كنت مصدومة. يعني الموضوع مش مجرد حماتي قاسية، ده سِر عائلي موروث من جيل لجيل، كل أم بتورّث عذابها لبنتها، وهي فاكرة إنها بتعمل خير! وده اللي كانت تقصده لما قالت "السر اللي هيغيّر كل حاجة". ده مش سر بسيط، ده تاريخ كامل من الألم والجهل اتخبي سنين طويلة.

جوليان كان ماسك الصور ويده بتترجف، وقال بصوت مكسور: "يعني... أنتِ كنتِ بتتعذبي وأنتِ صغيرة، وما حدش ساعدك؟"

هزّت راسها فيكتوريا، وبكت بصوت عالٍ لأول مرة: "ما حدش ساعدني! كنت أكرهها، وبعدين لما ماتت، اكتشفت إني بكره نفسي أكتر، لأنني صرت زيها. ولما شفت إيلين، خفت أكون زيها بالظبط، فحاولت أحميها بطريقتي الغلطانة. أنا وحشة، أعرف، بس ما كانش معايا حل تاني!"

قمت وقفت جنبها، ومسكت ايدها اللي كانت باردة ومرتجفة، وقلت لها بكل صدق:
"فيكتوريا، اللي حصل معاكِ غلط، واللي عملتيه في إيلين غلط كمان. بس الفرق بينك وبين أمك، إنك عرفتي الحقيقة دلوقتي. والسر ده مش لازم يكمل معانا لجيل تاني. إحنا نكسره من هنا، من اليوم ده."

بصت لي بعينين مليانة دموع وأمل ما كانش متوقعه، وقالت: "تسامحيني؟"

قلت لها: "التسامح بيحتاج وقت، بس هنبدأ مع بعض. إيلين محتاجة جدتها، ومحتاجة حد يحبها صح. وأنتِ محتاجة حد يعلمك إزاي تحبي من غير ما تعذبي."

رجعنا البيت، واتفقنا على كل حاجة. أول حاجة، إيلين خدت العلاج اللازم، وراحت لطبيب نفسي أطفال عشان تتخطى الصدمة. وفيكتوريا كانت تيجي تزورها كل يوم، بس بحدود، وكنت أنا موجودة دايماً في الأول. كانت تجيب لها هدايا، وتلعب معاها، وأهم حاجة... كانت تاكل معاها بإيديها، وتقول لها: "كلِ يا حبيبتي، كلِ قد ما تبي، الجمال فيكِ مش في وزنك".

مرّت شهور، والبيت ابتدا يرجع لهالفرحة تدريجيًا. إيلين رجعت زي ما كانت، بتجري وتلعب وتضحك، وما بقتش تخاف من حد. وفيكتوريا تغيرت كتير، ابتدت تروح لجلسات نفسية هي كمان، عشان تعالج اللي حصل معاها وهي صغيرة. وكل فترة نجلس مع بعض، ونحكي، ونصحح الأخطاء، ونعلم بعض إن الحب مش تحكم وتقييد، الحب احتواء وقبول زي ما نحن.

وفي يوم من الأيام، كنا مجتمعين كلنا حول السفرة، إيلين قعدت تاكل بحب، وابتسمت وقالت: "أحلى أكل في الدنيا أكل ماما وتيتا". فيكتوريا عينيا دمعت، وباستها على راسها وقالت: "وأحلى بنت في الدنيا أنتِ".

عرفت في الوقت ده إن السر اللي اتكشف ما كانش ليؤذينا، بل كان لينقذنا. كان لازم نعرفه عشان نكسر الحلقة اللي كانت بتدور من سنين، ونبدأ صفحة جديدة بيضاء، ما فيها غير حب صحيح ونقي.

واليوم، كل ما بشوف إيلين بتلعب وتضحك، بشكر ربنا إنه كشف الحقيقة في الوقت المناسب. وما بقتش أخاف من الأسرار، لأن كل سر مهما كان مخيف، لما بيتكشف، بيفتح باب للأمل والتغيير. والبيت ده، بيتنا، بقي مكان ما فيه حد يخاف، ولا حد يتعذب، ولا حد يخبي حاجة. لأننا تعلمنا إن القوة مش في إخفاء الحقيقة، القوة في مواجهتها، والبداية من جديد.

تم نسخ الرابط