انا مسافره لوحدى
مريم، واحنا اللي نقرر متى تيجي ومتى لا.
اتجمدت الحاجة نوال مكاني. نظرت له كأنها مش مصدقة اللي سمعته
إيه اللي بتقوله؟ بتكلمني أنا كده؟ أنا أمك؟ اللي ربّيتك؟
وأنا بحبك واحترمك يا ماما. بس الحب مش معناه إنك تدمري حياتي. ومش معناه إنك تستخدميني وتستخدمي مريم عشان راحتك وراحة سمر. اللي حصل في موضوع السفر ده كان غلط من الأول. سمر وعلي خططوا كل حاجة، وكنت أنا الغبي اللي صدقتهم ووقفت ضدي مريم. ولما عرفت الحقيقة، اتكسفت من نفسي.
التفتت لي بنظرة غاضبة
هي اللي قالتلك الكلام ده؟ بتخلي الست تدخل بيني وبين ولدي؟
لا يا ماما، هي ما قالتليش حاجة. أنا اللي شفت الرسائل بنفسي. وعرفت إنكم كنتوا عايزينها تدفع وتخدم وأنتوا تسافروا مكانها. وده غلط. مهما كان، ده مش من حق أحد. مريم تعبت وشغلت، وحقتها تروح وترتاح. ولازم نعتذر لها.
بدأت الحاجة نوال تضرب في صدرها بيدها
أنا أعتذر لها؟ أنا الحاجة نوال أعتذر لست جاية من برة؟! كريم إنت اتجننت! العيلة أهم من كل حاجة!
العيلة باحترام بعض يا ماما. مش باستغلال بعض. ولو العيلة معناها إننا نأكل بعض ونأخذ حقوق بعض، فأنا مش عايز عيلة بالشكل ده. أنا اخترت مريم. واخترت أعيش معاها بكرامة. ولازم تحترمي اختياري.
كان صوته ثابت، وعينيه في عين أمه، ما يرتجفش. وكنت واقفة جنبه، حاسةّ الفخر بي، وقلبي بيدق من الفرحة لأنه أخيرًا وقف جنبي.
بصت الحاجة نوال لي، وبعدين له، وشافت إن كلامه مش لعب. إن الولد اللي ربّته صغير كده كبر وقرر. تنهدت بعمق، وقعدت على الكرسي قدامنا، وهدّت نبرتها شوية
يعني إيه؟ هتقطعونا؟ هتسيبونا ونروح في حال سبيلنا؟
ما حدش بيقطع حد. إحنا هنبقى على تواصل. هنزوركم. نساعدكم لو احتجتوا. بس بحدود. ما حدش يتدخل في حياتنا. وما حدش يطلب من مريم حاجة فوق طاقتها، ولا يستغلها. ده كل اللي عندي.
سكتت شوية، وبصت لي بعتاب هادي
وأنتِ يا مريم، إنتِ راضية بالكلام ده؟ ولاد أخوه دول من دمه. مش ممكن في يوم تحتاجوهم؟ العيلة سند.
رديت بهدوء وثقة
أنا مقدرة كلامك يا حاجة نوال. وأنا عمري ما رفضت أساعد حد. بس المساعدة طالما طلبي من القلب، مش لما بيتفرض عليّ بقوة وبكلام عيب. ولاد سمر ولاد غاليين عليّ زي ما هم غاليين على كريم. بس لازم يكون فيه احترام. وأولادهم مش ورثي ولا مسؤوليتي لوحدي. الكل يتحمل مسؤولياته.
هنا دخل سمر وعلي، جايين ورا أمه، وسمعوا الكلام الأخير. سمر كانت عايزة تبدأ الصياح، بس كريم رفع إيده يوقفها
سمر، قبل ما تتكلمي. أنا شفت الرسائل. وعرفت إنكم كنتوا عايزين مريم تسافر بولادكم وأنتوا تسافروا بدالها. وده غلط. غلط كبير. ولازم تعتذري لها.
سمر اتلوّت وشها، وبصت لأمها كأنها تستنجد بيها. بس الحاجة نوال كانت ساكتة، عرفت إن الموضوع انتهى.
يعني إيه؟ أنا غلطانة عشان طلبت مساعدة من أختي؟ قالت سمر بحدة.
مساعدة باحترام وباتفاق. مش مخطط ومفروض عليها من غير رضاها. وإنك تروحي تفرحي وهي تخدم ولادك، ده مش مساعدة. ده استغلال. وأنا مش هسمح به تاني.
كان صمت ثقيل ملأ الشقة. الكل عرف إن العهد القديم اللي كانوا عايشينه انتهى. وإن مريم مش الست الضعيفة اللي يقدر كل واحد يأمرها وينهيها. وإن كريم اختار يكون راجل بمعنى الكلمة، يقف جنب مراته قبل الكل.
بعد دقايق، سمر بصت لي، بصت سريعة ومترددة، وقالت بصوت خافت آسفة يا مريم. كان لازم أتكلم معاكِ من الأول باحترام. ما كانش لازم أفرض عليكِ حاجة.
كانت كلماتها صغيرة، ومش كلها قلب، بس كانت بداية. والحاجة نوال قامت وقفت، لبست عبايتها، وقالت وهي ماشية ربنا يهديكم. واللي فيه الخير يقدمه.
وخرجوا. وقفنا أنا وكريم لوحدنا في الصالة. بعد ما قفلت الباب وراهم، استدار لي كريم، وحضني بقوة كأنه خايف يفقدني. دفعت راسي في صدره، ودموعي نزلت، بس دي دموع راحة مش وجع.
شكرًا. قلت له.
الشكر ليكِ إنك صبرتي عليّ. ومن اليوم، ما حدش يقدر يأذيكِ وأنا معاكِ.
الفصل الخامس البداية الحقيقية
مرت الأشهر، واتغيرت حاجات كتير. مش بين يوم وليلة، لأن العادات بتاخد وقت، والناس ما بتتغيرش بسهولة. لكن الخطوات كانت واضحة.
أولًا، كريم بدأ يشتغل بجد في مشروعاته، وبالفعل أول مشروع له نجح بعد 4 شهور. ما عادش يعتمد عليّ في كل حاجة، وصرنا نشارك مع بعض في المصاريف بكل عدل، كل واحد على قد مقدرته. كنت فرحانة لنجاحه، وكنت أول واحدة تفرح له، وهو كمان كان بيحترم شغلي ووقتي أكتر من أي وقت مضى.
علاقتنا ببعض رجعت أقوى من الأول، لأنها اتبنت على الصراحة والاحترام مش العادة والخوف. كنا نتكلم في كل حاجة، ونحل المشاكل قبل ما تكبر. وعرفنا إن الجواز مش يعني أحد يملك التاني، بل يعني اتنين يكملوا بعض.
علاقتنا بأهله كمان اتعدلت بس بحدود واضحة. كنا نزورهم كل أسبوع، نحضر المناسبات، ونساعد لما يكون فيه حاجة حقيقية. بس كلمة لأ بقت مسموحة ومقبولة. ولما طلبت سمر مني بعد كده مرة تانية أساعدها في حاجة، كانت بتطلبها باحترام، وتقبل الرد بكل رحابة صدر. والولدين كمان كانوا بيحبوني، وكنت ألعب معاهم وأخرج بيهم، بس ده كان من نفسي ولما أكون فاضية، مش مفروض عليّ كواجب.
الحاجة نوال كانت بتعاملني باحترام، وكل فترة بتبعتلي أكل أو حاجة حلوة، وبقت تقول لكرم حافظ عليها، دي بنت أصيلة. كلامها كان ببطء بيتغير، لأنها شافت إن احترامنا لبعض بيخلي حياتنا أحسن، وإن كريم راجل وبيقدر مسؤولياته.
في يوم من الأيام، كنت جالسة على الشرفة مع كريم بعد العشاء، نشوف القاهرة من فوق، والهواء العليل جاي علينا. مسك إيدي وقال
عارفة يا مريم؟ السفر ده كان مجرد حاجة صغيرة. بس اللي حصل بسببه خلاني أفهم حاجات كبيرة كتير. أفهم إن الحب مش كلام بس. الحب إنك تحمي اللي بتحبها من كل حاجة، حتى من نفسك ومن أهلك لو لزم الأمر.
بصيت له وابتسمت
وأنا كمان فهمت حاجة مهمة. إن الحق لازم تطالبه من غير خجل، وإن اللي بيحبك بيحترمك ويدافع عنك. ولو كان مقدار الراحة ييجي على حساب كرامتك، فالراحة دي مش حقيقية.
سكتنا شوية، وهو ضمّني ليه، وشعرت بالأمان اللي كنت دايما أتمناه. الأمان اللي مش بيجي من إن حد يخدمك، بل بيجي من إنك تكن مع واحد يفهمك ويقف جنبك مهما كانت الظروف.
سنة الجاية، إحنا مسافرين سوا. قال فجأة. فندق للكبار، 12 يوم، ولا دوشة ولا حد يكلمنا. وأنا اللي دافع كل حاجة.
ضحكت وقلت اتفقنا. بس بشرط.
إيه؟
ناخد معانا فلوس كفاية عشان لو حبينا ندي لهم حاجة من عندنا، نديها. بس باختيارنا، مش عشان حد يطلبها.
باسني من راسي وقال عينى ليكِ.
وهكذا مرت الأيام، والشهور، والسنين. وما كان يمكن أن يكون نهاية جوازنا، أصبح هو اللي بنى جوازنا على أساس قوي متين. لأننا تعلمنا إن العيلة مش بس اللي من
دمك، العيلة اللي تحترمك وتخاف على قلبك. وإن البيت ما بيتتبنى بالفلوس ولا بالكلام الحلو، بيتتبنى بالعدل والاحترام والصدق.
وكل ما أتذكر تلك الليلة، والشنطة اللي كنت جهزتها، والخوف اللي كان في قلبي، أشكر ربنا إني صبرت وطلبت حقي. لأن الحق زي ما بيقولوا، بيقى فوق. واللي بيقف جنبك في وقت الشدة ده اللي يستاهل يكون معاك طول العمر.
وها نحن ذا، نمشي في طريقنا مع بعض، أيدًا في يد، نعرف إن فيه صعوبات هتجي، ومشاكل هتقابلنا. بس ما دام اتفقنا على إننا نتكلم بصراحة، ونحترم حدود بعض، ونقف جنب بعض مهما حصل، فالطريق قدامنا أبيض ومفتوح. لأن أقوى عيلة ممكن تملكها في الدنيا، هي العيلة اللي بنيتها أنت واللي بتحبها بصدق وعدل.
تمت