شاب مصرى حكايات بسمه
من بعيد.
العربية وقفت.
نزل سامح.
وفي إيده الدفتر الأسود.
قال
كنت متأكد إنك هتيجي.
يوسف رد
هات الدفتر.
سامح ابتسم.
إنت لسه فاكر إن الدفتر هو المهم؟
يوسف قال
أمال إيه؟
سامح أشار للحجر.
ده.
يوسف بص للحجر.
إيه اللي تحته؟
سامح قال
الحاجة اللي خلت عيلتك ترفض بيع الأرض لأكتر من خمسين سنة.
والد يوسف تدخل
سامح كفاية.
سامح بص له.
أنت أكتر واحد عارف إن الموضوع مش هيفضل مستخبي.
ثم أخرج ورقة قديمة.
أنا ما جيتش أسرق أرضك يا يوسف.
يوسف قال
أمال إنت بتعمل إيه؟
بحاول أشتري حق الوصول للمياه.
يوسف استغرب.
إيه الفرق؟
سامح رد
فرق كبير.
ثم فتح الورقة.
كانت خريطة ضخمة للمنطقة.
وأوضح عليها خطًا أزرق ممتدًا تحت الأرض.
وقال
في طبقة مياه جوفية قديمة تحت الأرض دي. مش ملك مزرعتك وحدها. لكنها بتغذي مناطق كبيرة.
يوسف قال
وده أنا عارفه.
سامح هز رأسه.
لأ. إنت لسه ما تعرفش أهم حاجة.
وأشار إلى نقطة حمراء في منتصف الخريطة.
المصدر الحقيقي مش البئر.
ثم أشار إلى الحجر الأبيض.
المصدر هنا.
يوسف اقترب.
إزاي؟
سامح قال
تحت الحجر فيه مجرى طبيعي قديم.
والد يوسف قال
كان لازم يفضل بعيد عن أي حفر.
سامح رد
بالضبط.
يوسف بص لأبوه.
إنت كنت عارف؟
أيوه.
وجدّي؟
هو أول واحد اكتشفه.
سامح قال
وعشان كده الأرض كانت مهمة.
ثم أضاف
لكن في مشكلة.
يوسف سأله
إيه؟
المياه بدأت تتغير.
الدكتور كريم، الذي اقترب منهم دون أن يشعروا، قال
بسبب التلوث؟
سامح هز رأسه.
التلوث جزء من المشكلة.
يوسف قال
أمال إيه السبب؟
سامح أشار إلى الخريطة.
في حد بيحفر في المنطقة من الناحية التانية.
سكت الجميع.
يوسف قال
مين؟
سامح رد
الشركة.
الحاج صابر قال
يعني الشركة بتحاول توصل للمياه من مكان تاني؟
أيوه.
الدكتور كريم قال
ولو وصلوا؟
سامح رد
ممكن يغيروا مسار المياه بالكامل.
يوسف شعر بصدمة.
فجأة فهم ليه الشركة كانت مستعدة تدفع عشرة أضعاف ثمن الأرض.
هم لم يكونوا يريدون الأرض.
كانوا يريدون السيطرة على مصدر المياه.
لكن يوسف لاحظ شيئًا في الخريطة.
استنى
أشار إلى خط آخر.
إيه الخط ده؟
سامح سكت.
يوسف كرر
الخط ده داخل أرضنا.
سامح قال
ده أقدم مسار للمياه.
والد يوسف اقترب من الخريطة.
ثم تغير وجهه.
المسار ده اتردم.
يوسف سأله
إمتى؟
الأب قال
قبل ما تتولد.
مين ردمه؟
الأب لم يجب.
يوسف نظر إلى سامح.
سامح قال
جدك.
يوسف اتصدم.
جدي؟ ليه؟
سامح رد
عشان يمنع المياه من الوصول للجزء اللي كانوا عايزين يحفروا فيه.
يوسف سكت.
ثم قال
يعني جدي كان بيحمي المياه؟
سامح هز رأسه.
كان بيحمي الأرض والناس.
ثم مد الدفتر الأسود إلى يوسف.
خده.
يوسف أخذه.
ليه بتديني إياه؟
سامح قال
لأن اللي جاي أكبر مني ومنك.
وفجأة
وصل صوت محرك سيارة من بعيد.
سامح بص ناحية الطريق.
هم وصلوا.
يوسف سأل
مين؟
سامح قال
الشركة.
ثم أضاف بسرعة
بس قبل ما يظهروا، لازم تعرف مين اللي كان بيساعدهم من جوه البلد.
يوسف قال
مين؟
سامح نظر إلى الحاج صابر.
الحاج صابر اتوتر.
سامح قال
الشخص اللي كان بيسرب لهم خرائط الأرض.
يوسف بص للحاج صابر.
ثم إلى والده.
وسامح قال الجملة التي جعلت الجميع يصمت
مش ابن أخو الحاج صابر.
الشخص ده أقرب ليوسف بكتير مما تتخيلوا النهاية
يوسف وقف مكانه، وقلبه بدأ يدق بسرعة.
بص لسامح وقال
أقرب ليا؟ مين؟
سامح ما ردش.
والده هو اللي اتكلم
أنا.
يوسف اتجمد.
إنت؟!
الأب تنهد وقال
أنا اللي كنت بسرب لهم معلومات لكن مش عشان أبيع الأرض.
يوسف بص له بغضب.
أمال ليه؟
عشان أعرف هم عايزين إيه، وأعرف أحميك والأرض قبل ما يوصلوا للحقيقة.
ثم أخرج ورقة قديمة.
أنا دخلت بينهم من سنين، وكنت بديهم معلومات ناقصة ومضللة. لكن من فترة اكتشفوا إن فيه مصدر مياه حقيقي تحت الحجر الأبيض.
يوسف سكت.
وعشان كده بدأت محاولات تلويث المياه وشراء الأراضي.
الدكتور كريم قال
يبقى لازم نبلغ الجهات المختصة فورًا.
وفعلًا، تم تسليم الخرائط والعينات والتسجيلات للجهات المسؤولة، ومعها كل الأدلة التي جمعها يوسف والدكتور كريم.
التحقيقات كشفت أن مجموعة من الأشخاص كانت تحاول استغلال انتشار المرض لإجبار أصحاب المزارع على بيع أراضيهم بأسعار منخفضة، بينما كانت هناك أعمال حفر غير قانونية بالقرب من مجرى المياه الجوفية.
أما العامل الذي كان يأخذ العينات، فتم التعامل مع الأمر قانونيًا بعد اعترافه بكل ما يعرفه.
وبعد فترة، ثبت أن مصدر انتشار المرض لم يكن مزرعة يوسف كما حاول البعض الادعاء.
بل إن مزرعته كانت من أقل المزارع خسائر بسبب العزل والتهوية والنظافة والمتابعة البيطرية.
أما ال عجلًا
فمنهم 83 نجوا.
ومع مرور الشهور، كبروا وأصبحوا من أفضل المواشي في المنطقة.
يوسف لم يبعهم.
احتفظ بهم كنقطة بداية لمشروعه.
وبدأ يزرع أرض العائلة من جديد، مستفيدًا من ملاحظات جده، لكن تحت إشراف متخصصين في الزراعة والطب البيطري.
وبعد سنة واحدة فقط
كانت الأرض التي وصفها أهل القرية بأنها ميتة قد عادت خضراء.
وأصبح يوسف شابًا يعتمد على نفسه، وأصبح الناس يأتون إليه يسألونه عن طريقة تربية المواشي والعناية بالأرض.
أما الحاج صابر
فلم يعد يسخر منه.
في يوم، وقف بجواره أمام الحظائر وقال
فاكر أول يوم اشتريت فيه العجول؟
يوسف ضحك.
أيوه.
أنا وقتها قلت إنك اشتريت 90 مقبرة.
يوسف ابتسم.
وطلعوا 83 بداية.
الحاج صابر هز رأسه.
لأ طلعوا أكتر من كده.
إزاي؟
قال
طلعوا سبب إنك تكتشف قيمة الأرض، وسبب إن البلد كلها تتعلم إن الوقاية والعلم أهم من الكلام اللي بيتقال في القهاوي.
ثم مد له يده.
وأنا غلطت لما حكمت عليك من سنك.
يوسف صافحه.
أما والده
فكانت علاقته بيوسف مختلفة تمامًا.
لم تختفِ سنوات البعد في يوم واحد، لكن الأب بدأ يعوض ابنه بالفعل، لا بالكلام.
وفي إحدى الليالي، جلسا سويًا أمام المزرعة.
قال الأب
أنا آسف.
يوسف سكت.
ثم قال
أنا مش محتاج إنك ترجع الزمن.
أمال محتاج إيه؟
يوسف ابتسم
محتاجك ما تختفيش تاني.
والده وضع يده على كتفه.
مش هختفي.
وبعد سنوات، أصبح اسم يوسف معروفًا في المنطقة.
ليس لأنه اشترى 90 عجلًا مريضًا.
ولا لأنه اكتشف سرًا مدفونًا.
لكن لأنه فهم شيئًا لم يفهمه أغلب الناس حوله
أحيانًا الناس تشوف الضعف فتخاف منه بينما الشخص اللي عنده صبر وعلم يشوف فيه فرصة.
وفي صباح يوم جديد، وقف يوسف أمام المزرعة.
كانت الأرض خضراء.
وال عجلًا أصبحت قطيعًا قويًا.
رفع عينه ناحية الحجر الأبيض، وابتسم.
وتذكر أول يوم سمع فيه الناس يضحكون عليه.
ثم قال لنفسه
كانوا فاكرين إني اشتريت 90 عجل مريض لكن الحقيقة إني اشتريت أول فرصة في حياتي.
ومن يومها
لم يعد أحد في القرية يضحك عندما يسمع اسم يوسف عبدالسلام.