امراه مسنه

لمحة نيوز

 ثم أتت ببعض اللحاء الجاف والصوف القديم، ورتبته بجانب المدفأة حيث الحرارة ألطف، وقالت هنا سترتاحين. كل ما أطلبه منكِ هو أن تثقين بي.
مرت الساعات ببطء، والعاصفة لا تزال تعوي في الخارج كروح حزينة لا تجد طريقها للسلام. داخل الكوخ الصغير، كانت العجوز تراقب ضيفتها بقلق. بين الحين والآخر تمر يدها بخفة على بطن الذئبة المنتفخ، وتشعر بحركة خفيفة من الداخل، فتضحك بدمع في عينيها، وتقول إنهم أحياء لا تقلقي، سنجتاز هذا معاً.
كان اسمها ستّي حكيمة هكذا كان يناديها أهل القرية البعيدون، رغم أنهم نادراً ما يزورونها. عاشت وحدها في ذلك الكوخ لما يزيد على عشرين عاماً، بعد أن رحل زوجها ولم ينجبا أولاداً. لم تندم قط، فقد ملأت حياتها بالحيوانات والطبيعة، وكانت تعرف لغاتهم التي لا يفهمها أحد سواها.
في منتصف الليل، بدأت الأمور تتغير. أصبحت تنفس الذئبة أسرع، وتتحرك بقلق، وتصدر أصواتاً خافتة مؤلمة. أدركت ستي حكيمة أن اللحظة اقتربت. أشعلت المزيد من الحطب، وسخنت الماء، وجلست بجانبها طوال الليل، تمسح رأسها، وتحدثها بصوتها الدافئ، وتعزّيها حين تشتدّ عليها الآلام. لم تبتعد عنها لحظة، ولم تملّ، وكأنّ ما في بطن الذئبة هو جزء منها.
وبعد صراع طويل ومرير، ومع بزوغ الفجر الذي كاد يختفي خلف الغيوم الكثيفة، وضعت الذئبة ثلاثة صغار ذئاب. كانوا صغاراً جداً، مغمضي الأعين، دافئين كالصوف، يزحفون ببطء نحو أمهم ليرضعوا.
بكت العجوز من فرح عميق، ومدّت يدها تلمس واحداً منهم بحذر، فنظرت إليه الأمّ، ثمّ نظرت إلى ستي حكيمة، ومدّت رأسها لتلتمس يدها بلسانها الخشن برفق، كأنّها تقول لها شكراً شكراً لأنكِ أعطيتِ لهم فرصة للحياة.
مرّت الأيام، وهدأت العاصفة، لكنّ الذئبة لم تغادر. بقيت في الكوخ، تخرج أحياناً في الصباح الباكر لتعود بفريسة، وتشارك العجوز طعامها رغم أنّ ستي حكيمة كانت ترفض غالباً، قائلة كلي أنتِ وصغاركِ، أنا لديّ ما يكفيني. كانت بينهما رابطة غريبة لا تُفسّر، رابطة أمومة وثقة تجاوزت كلّ الحدود التي وضعها البشر بينهم وبين الحيوانات البرّية.
كان الصغار يكبرون بسرعة، يلعبون في أنحاء الكوخ، ويعتادون وجود العجوز، لا يخافون منها أبداً. كانت ستي حكيمة تضحك وهي تراهم يلتفّون حولها، وتشعر وكأنّها أخيراً أصبحت أمّاً بعد كلّ تلك السنوات.
لكنّ الغابة لم تكن مكاناً آمناً كما بدت. ففي اليوم الذي بدأت فيه الشمس تشرق ببريقٍ أقوى، سمعت ستي حكيمة أصواتاً غريبة في الخارج أصوات خطوات ثقيلة، وأصوات رجال تتحدث بصوت عالٍ وغاضب.
فتحت الباب ببطء، فرأت مجموعة من رجال القرية، ومعهم رجل غريب يرتدي ملابس فاخرة لم يُرَ مثلها في تلك المنطقة من قبل. كان وجهه قاسياً، وعيناه لامعتان بالطمع والغضب. تقدّم منها قائلاً بصوت عالٍ أين هي؟ لا تخدعيني يا عجوز عاجزة! لقد تبعتُ أثرها إلى هنا. هي ذئبة نادرة جداً، ذات عينين مختلفتين اللونين ثمنها عندي ثروة لا تُقدّر بمال! لقد هربت من مزرعتي بعد أن سرقتها، وسأستعيدها ولو اضطررتُ لهدم هذا الكوخ فوق رأسكِ.
جمدت العجوز في مكانها. فهمت الآن لماذا كانت الذئبة تهرب وحدها في تلك العاصفة، ولماذا كانت خائفة بهذا الشدّ. لم تكن مجرد ذئبة برّية كانت أسيرة فرّت من قيود، وكانت تحمل في أحشائها حياةً لا يملك هذا الرجل حقّ التصرف فيها.
تقدّم الرجال نحو الباب، محاولين الدخول، لكنّ ستي حكيمة وقفت في وجههم، جسدها النحيف حاجزاً لا يُرى لكنّه أقوى من الحديد. قالت بصوتٍ حازمٍ هزّ قلوبهم لن تدخلوا هنا. هذه المخلوقة لجأت إليّ، ومن واجبي حمايتها. لا تهمّني ثروتك ولا نفوذك فالعدالة لا تُشترى بذهب.
ضحك الرجل الغريب بصوتٍ عالٍ مليء بالسخرية، ثمّ غيّر لون وجهه وقال بشراسة عدّي للثلاثة وتنحّي، أو ستندمين على عيشكِ! هؤلاء الذين معي لا يتردّدون في إيذاء عجوزٍ مثلكِ إذا دفعتهم الثروة.
وفي تلك اللحظة، ساد صمتٌ مرعب المكان. فمن خلف ستي حكيمة، ظهرت الذئبة ببطء. لم تنبح، ولم تُظهر أسنانها، لكنّ وقفتها كانت مهيبة، وعيناها إحداهما بنية والأخرى زرقاء كالماء العميق كانتا تنظران إلى الرجل الغريب بنظرةٍ لم ينسَها طوال حياته.
تراجع الرجال خطوةً للخلف، مصدومين، بينما تقدّم الرجل الغريب بوجهٍ شاحبٍ وقال بصوتٍ مرتجف أنتِ أنتِ لا تتذكّرينني؟ لقد كنتِ صغيرة جداً حين أخذتكِ من أمّكِ، وقتلتها أمام عينيكِ لكي أبيعكِ. لقد عرفتُكِ من عينيكِ لا أحد غيركِ يملك هذا الشكل.
ارتجفت الذئبة، وبدا وكأنّ ذكرياتٍ مؤلمة تعود إليها، لكنّها لم تتراجع. بل اقتربت خطوةً نحو الرجل، وقال ستي حكيمة بصوتٍ يرتجف من الغضب أنتَ قاتل؟! أخذتَ طفلةً من أمّها وقتلتهما؟! والآن تأتي لتعذّبها وتسرق صغارها؟! إنّ الله لا يُمهلكَ يا هذا!.
حاول الرجل أن يبدو قوياً، وأمر رجاله بالدخول بالقوة. لكنّ ما حدث لم يكن في حسبان أحد.
فجأة، انفتحت الأشجار من حول الكوخ، وظهرت عشرات الذئاب الكبيرة، تقف بوقارٍ وهيبة، تحيط بالمكان من كلّ جهة. لم يأتوا ليفترسوا أحداً، بل جاءوا لحماية واحدة منهم. لقد شعروا بخطرها، وجاءوا من أعماق الغابة لتكون كلمتهم هي العليا.
تراجع رجال القرية مذعورين، وفرّ بعضهم هارباً لا يلوي على شيء، بينما بقي الرجل الغريب وحيداً، مرتجفاً كالورقة، لا يملك مكاناً يفرّ إليه. تقدّمت الذئبة ذات العينين المختلفتين نحوته، ووقفت أمامه، ولم تؤذه بل نظرت إليه نظرةً أخيرة، وكأنّها تقول له لقد عشتُ في أسرك، وتألمتُ، ورأيتُ أمي تموت لكنّني لستُ مثلك. أنا لا أقتل إلا من أجل البقاء، وأنتَ تقتل من أجل الطمع.
ثمّ التفتت نحو ستي حكيمة، ومالت برأسها احتراماً وامتناناً.
في تلك اللحظة، فهم الجميع الحقيقة الصادمة التي أخفتها الذئبة طوال تلك الفترة. لم تكن مجرد حيوانٍ لجأت للدفاع عن صغارها بل كانت أمّاً عاشت مأساةً لا تُوصف، وانتظرت سنواتٍ طويلة لتجد مكاناً آمناً تُكمل فيه ما بدأته أمّها. والصدمة الكبرى لم تكن في وجود الذئاب المحيطة بهم، بل في أنّ هذا الرجل الغريب لم يكن مجرد صياد طماع بل كان سبب كلّ معاناتها منذ صغرها، وها هي العدالة الإلهية قد جاءته من حيث لا يحتسب.
لم يُمسّ الرجل بسوء، لكنّه عاش بقية حياته في رعبٍ دائم، وعاد خاوياً اليدين، يحمل في قلبه عاراً لا يُمحى. أما ستي حكيمة، فقد عاشت في كوخها محاطةً بمن يحبّونها، لا فرقاً بين بشريّ وحيوان.
وبعد سنوات، حين كبر صغار الذئاب وغادروا لبناء حياتهم الخاصة، بقيت الأمّ تزور الكوخ كلّ يوم، تجلس بجانب العجوز، وتشاركها الصمت كما شاركتها الألم والفرح.
قيل إنّ ستي حكيمة عاشت مائة وعشرين عاماً، ولم تمت وحيدة. فعندما حان وقت رحيلها، كانت الذئبة بجانبها، تضع رأسها في حضنها، وكأنّها ترافقها إلى العالم الآخر بسلام.
وحتى اليوم، يمرّ المسافرون بذلك الكوخ الخالي، ويقولون إنّهم يرون ظلّ امرأة عجوز وذئبةٍ بجانبها، لا تفترقان أبداً لأنّ الحبّ والثقة لا تعرفان لوناً ولا جنساً ولا حدوداً، وإنّما هي رابطة تُبني في القلب وتدوم إلى الأبد.

تم نسخ الرابط