مراتى سابتنى اول ما عرفت ان ابننا اتولد بمتلازمه داون
المحتويات
توعدني إنها تسلمك الجواب ده لما آدم يتم 18 سنة، وتكون كبر وفهم، وإنك تكون قدرت تربيه وتعليمه وتحقق له كل الأحلام اللي كنا بنحلم بيها ليه. وطلبت منها تهتم بيكوا، وتكون لكم كالأم والجدة، وتخلي بالها من آدم طول ما أنا مش موجودة.
سبت كل فلوسي وكل حاجة معاها، وقلتلها تستخدمها في تربية آدم وفي تعليمه، وكل ما يحتاجه. وخرجت من البيت ومشيت لمكان بعيد، عشان حد منكم ما يشوفني، واخدت علاج لفترة، لكن المرض كان أقوى، ومحدش قدر يساعدني.
لو عايز تعرف مكاني، الحاجة أمينة تعرف مكان قبري، عشان تقدر تزورني وتقولي لي إنك سامحتني. وقل لآدم إن أمه كانت بتحبه أكتر من نفسها، وإنها ما سابتوش إلا عشان خيره، وإنها كانت بتدعيله كل ليلة لحد ما راح روحها لربنا.
سامحني يا أحمد.. سامحني لأنني حبيتك، وحبيت آدم، وكنت عايزة ليكوا الخير دايماً.
دنيا
خلصت القراءة ولقيت نفسي واقع على الكرسي، والجواب طالع من إيدي ووقع على الترابيزة. عينيا كانت مليانة دموع ما قدرتش أمنعها، وكل الكره اللي كان جوايا 18 سنة، كل اللوم، كل الغضب، كله اختفى في لحظة، وبقى مكانه ألم وحزن وندم مش قادر أصفه. كنت أكرهها وقلبي كان بيوجعني من الكره، لكن لقيت إنها كانت بتضحي بنفسها وبسمعتها وبحبنا عشان خيرنا، عشان آدم يعيش حياة سليمة ومش يتحمل ألم فقدان الأم وهو صغير.
بصيت للحاجة أمينة وسألتها بصوت متهدج هي ماتت يا حاجة؟
هزت راسها ببطء وعيونها مليانة دموع أيوه يا ولدي.. ماتت بعد سنة ونص من ما مشيت. كانت عايزة تيجي تشوف آدم مرة واحدة قبل ما تموت، لكنها خافت إنك ترفض، وخافت إنها تضعف وتفضل ومش تمشي تاني، وده كان هيخرب كل خطتها. طلبت مني أجيب لها صور له كل فترة، وكنت ببعث لها صور سرًا، وكانت تفرح بيها وتعيط، وتقول إن ابني كبر وإن شكله شبهي وشبهك. وكل الفلوس اللي كانت معاها وصلت ليكوا، وكنت بضيفها على مصاريف آدم من غير ما تشعر، وكل ما كان محتاج حاجة كنت بجيبها منها.
بعدين بصيت لآدم اللي كان واقف بصلي وبعينيه دموع، وقال أنا عرفت من أسبوع بس يا بابا. الحاجة أمينة قالتلي لما كنت بسألها عن أمي، وقالتلي استنى لعيد ميلادك عشان نعرفك سوا. أنا ما كرهتهاش يا بابا.. عارف إنها كانت بتحبنا، وإن تضحيتها كانت عشان خيري وخيرك.
الجزء الثاني السنين اللي كانت مليانة أمل خفي
بدأت أتذكر كل حاجة من أول السنين، وكل موقف كان بيخطر في بالي وأنا كنت بلومها عليه، وكنت بشوفه من زاوية تانية خالص. تذكرت أول مرة آدم تعبان ودخل المستشفى، وكنت وحيد ومش عارف أعمل إيه، ولقيت الحاجة أمينة جت لي بسرعة وقعدت جنبي وساعدتني، وكنت فاكر إنها بس جارة طيبة، لكنها كانت بتوفي وعدها لدنيا. تذكرت كل مرة كنت محتاج فلوس ومش لاقي، ولقيتها تيجي وتقول لي عندي مبلغ هساعدك لحد ما تقدر ترجعه، وكنت بدفع لها وبقول لها شكرًا، لكن المبلغ ده كان من فلوس دنيا، وكل ما كنت بدفع كانت بتردها وتقول لي خليها لآدم.
تذكرت لما آدم دخل المدرسة، وكنت خايف إنه يتعرض للتنمر، ولقيت المدرسة بتعامله معاملة خاصة، وكنت فاكر إنها بس رحمة، لكن الحاجة أمينة كانت دفعت تبرع كبير للمدرسة عشان يهتموا به، وقالت لهم إنها لولد ابنها الغالي. تذكرت كل نجاح حققه آدم، وكل ميدالية جابها، وكل مرة كانت الحاجة أمينة تفرح أوي وتقول لدنيا في سرها شوفي يا بنتي.. ابنك بقى ناجح، وشوفي التضحية اللي عملتيها ما ضاعتش.
دنيا كانت طول الفترة دي عايشة في مكان صغير على الساحل، بعيد عن القاهرة، بعيد عن كل اللي تعرفه، عايشة وحيدة، وتعالج وتدعيلنا وتشوف صور ابنها وتفرح وتبكي في نفس الوقت. كانت بتعيش على أمل إن آدم يكبر ويكون بخير، وإنك تقدر تربيه وتكون أب كفاية ليه، وإن في يوم من الأيام تعرف الحقيقة وتسامحها. وماتت وهي عارفة إن وعدها هيتنفذ، وإن ابنها هيكبر ويكون راجل صالح، وإن حبها ليكوا مش هضيع مع الوقت.
الجزء الثالث الزيارة اللي كانت تأخرت كتير
بعد ما خلصنا الكلام، قررت نروح نزورها بكرة. سألت الحاجة أمينة عن مكانها، وقالت لي إنها مدفونة في مقابر عائلتها في مدينة السادس من أكتوبر، وإنها جابت لها قبر بسيط وكتبت عليه اسمها وتاريخ الوفاة، وكل فترة كانت بتروح تزورها وتقرأ لها فاتحة.
بكرة الصبح، جهزنا نفسنا وطلعنا سوا، أنا وآدم والحاجة أمينة. الطريق كان طويل، وساكتين معظم الوقت، كل واحد فينا بيفكر في اللي حصل، وفي التضحية اللي عملتها دنيا. لما وصلنا للمقابر، ودلنا الحاجة أمينة على القبر، وقفت قدامه وأنا مش قادر أتكلم. كان القبر بسيط، عليه شوية زهور يابسة، وكتب عليه دنيا عبد الرحمن.. في ذمة الله، رحمة واسعة من ربنا.
نزلت دموعي وأنا بقول سامحيني يا دنيا.. سامحيني لأنني ظلمتك 18 سنة، وسامحيني لأنني ما فهمتكش من أول مرة. كنت فاكرك قليلة القلب، وطلعتي أنت اللي أكرم الناس وأكثرهم تضحية. شكرًا لأنك تركتيني أربي آدم، وشكرًا لأنك خليتني أحس إني أب، وشكرًا على كل حب كنتي بتحبيه لينا حتى من
متابعة القراءة