كلهم كانو فاكرينها مجرد شغاله
قفلوا المخرج.. وعربية نقل قطعت السكة على عربية الحراسة الورانية.. تلاتة مسلحين خرجوا من الحارة الجانبية.. الوش كله قعد سبعة وتمانين ثانية.. سليم نِجى لأن موكبه خرج من القصر متأخر تسع دقائق عن معاده الأصلي.. تسع دقائق بالثانية.. التأخير ده حصل لأن فيه حد مجهول عدل في لستة فحص العربية قبل ما تتحرك.. أمل هي اللي عملت كدة.. شافت اللعبة وغيرت الميعاد من غير إذن حد، لأن الإذن والتقارير فشلوا معاها تلات مرات قبل كدة.. سليم خرج من النفق وفيه قطع فوق حاجبه، وجاكتة بدلتة دايبة ډم، وعنده السكات البارد بتاع الراجل اللي لسه مقابل المۏت حالا وشايفه مبهدل ومش مظبط ميعاده.. على نص الليل، رجالته الكبار اتجمعوا في القصر.. رجالة ببدل شيك واقفين حوالين تربيزة الاجتماعات، بيتكلموا بصوت واطي وفيه حيرة.. اتهموا عائلات منافسة.. قالوا حيتان سوق من الإسكندرية.. قالوا تجار شحن من بورسعيد.. حد جاب سيرة أعداء قدام في الصعيد.. وحد تاني قال الضړب جاي من برة لأن مفيش حد جوة مؤسسة الچارحي مچنون واڼتحاري لدرجة إنه يخونه.. محدش جاب سيرة الشغالة.. محدش عمره بيجيب سيرة الشغالة.. وفجأة دخل عمران، والمطر بينقط من جاكتته، ووشه رمادي زي التراب لقينا أمل عبد الرحمن يا سليم بيه.. سليم رفع رأسه وعينيه قادت ڼار مين؟
يا ترى سليم الچارحي هيعمل إيه لما يفهم إن الشغالة الغلبانة هي اللي فدت عمره وطلعت الجاسوس اللي جوه بيته؟ وإيه السر المرعب اللي جوه الكرتونة وهيقلب مصر كلها ويخلي سليم يقفل المستشفى باللي فيها عشان يحميها؟ الحكاية لسه بتبدأ واللي جاي صدمة تصفية حسابات هتهز القلوب وتكتم الأنفاس..
قولي GRIPPING وهنزلك الجزء الثاني تحت في الكومنتات حالا
رفع سليم الچارحي رأسه ببطء، وقال بصوت هادئ أخاف كل الموجودين
خدوني عندها.
استغرب رجال الأمن.
قال أحدهم
يا فندم... الاجتماع...
قاطعه دون أن يرفع صوته
قلت خدوني عندها.
...
دخل غرفة العناية المركزة.
أمل كانت فاقدة الوعي، وذراعها في الجبس، وعلى وجهها كدمات واضحة.
وقف أمام السرير دقائق كاملة دون أن يتكلم.
ثم الټفت إلى عمران.
هي اللي سحبت إنذار الحريق؟
أيوه يا فندم.
وهي اللي غيرت موعد خروج الموكب؟
أيوه.
ولو ماعملتش كده؟
بلع عمران ريقه.
كنت حضرتك دخلت النفق في معاد الكمين.
ساد الصمت.
ثم قال سليم جملة لم يسمعها منه أحد طوال سنوات
أنا مديون للبنت دي بحياتي.
فتحوا الكرتونة أخيرًا.
لم يكن بداخلها مال ولا ذهب.
كان بداخلها ملفات، وأجهزة تخزين صغيرة، وصور، وكشوف تحويلات مالية،
وأسماء موظفين كبار داخل شركات الچارحي يتعاونون مع شبكة تهريب دولية، ويستغلون اسم المجموعة في عمليات غسل أموال وشحنات غير قانونية.
كانت المفاجأة الأكبر أن العقل المدبر لم يكن عدوًا من الخارج.
بل المدير التنفيذي للشركة، الرجل الذي عمل مع سليم أكثر من عشرين عامًا.
هو من أخفى تقارير أمل.
وهو من حذفها من النظام.
وهو من رتب اغتيال سليم بعدما اكتشف أنه بدأ يشك في الحسابات.
ابتسم سليم ابتسامة باردة.
وقال
اقفلوا كل المكاتب.
نظروا إليه باستغراب.
أكمل
ولا ورقة تخرج... ولا موظف يدخل.
في أقل من ساعة، تحولت المجموعة كلها إلى خلية تحقيق.
راجعوا الكاميرات.
سجلات الدخول.
المكالمات.
السيارات.
وخلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، انكشفت الشبكة كاملة.
ألقي القبض على المتورطين جميعًا.
وانتهت أكبر عملية فساد داخل شركات
الچارحي.
أما أمل...
فبعد أسبوعين، فتحت عينيها.
وجدت سليم جالسًا على الكرسي المقابل.
وقفت الممرضة لتخرج.
لكن سليم قال
سيبينا لوحدنا.
نظر إلى أمل وقال
ليه عملتي كل ده؟
ابتسمت رغم الألم.
لأن ده الصح.
وإنتِ عارفة إنك كان ممكن ټموتي؟
هزت رأسها.
عارفة.
ومستنيتيش مقابل؟
ضحكت بخفة.
أنا مجرد شغالة يا فندم... كنت بعمل شغلي.
سكت طويلًا.
ثم قال
إنتِ عمرك ما كنتِ مجرد شغالة.
بعد شهر، دعا سليم جميع العاملين في القصر.
وقف أمامهم.
ثم نادى
أمل عبد الرحمن.
خرجت بخجل.
كانت تظن أنه سيشكرها أمام الجميع.
لكنه سلّمها ظرفًا.
فتحته.
وجدت بداخله قرارًا بتعيينها مسؤولة عن إدارة المراجعة الداخلية للمجموعة بعد تدريب وتأهيل كامل، مع منحة جامعية لاستكمال دراستها في إدارة الأعمال.
رفعت رأسها في ذهول.
قال
أنا مش بكافئك لأنك أنقذت حياتي.
توقف لحظة.
أنا بكافئك لأنك الوحيدة اللي كانت بتؤدي شغلها بأمانة.
صفق جميع العاملين.
بعضهم كان يخجل لأنه تجاهلها سنوات.
مرت خمس سنوات.
تخرجت أمل بتفوق.
وأصبحت من أهم القيادات داخل المجموعة.
فرضت نظامًا جديدًا للرقابة والشفافية، وأصبح أي عامل، مهما كان منصبه بسيطًا، يستطيع الإبلاغ عن أي مخالفة دون خوف.
ولم تختفِ عادة أمل القديمة.
كانت ما تزال تلاحظ التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد.
وفي يوم افتتاح المقر الجديد، وقف سليم أمام مئات الموظفين وقال
زمان كنت فاكر إن قوة المؤسسة في الحراس والسلاح والكاميرات.
ثم نظر إلى أمل.
لكن اتعلمت إن أقوى خط دفاع هو موظف أمين بيحب شغله.
ثم رفع قرارًا قديمًا أمام الجميع.
كان أول تقرير كتبته أمل، وعليه ختم أحمر
أهمية ضعيفة.
ابتسم وقال
الورقة دي كانت ممكن تكلّفني حياتي.
ثم مزقها أمام الجميع.
وأضاف
من النهارده... مفيش صوت صغير.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
بعد انتهاء الاحتفال، خرجت أمل تتمشى في حديقة المقر.
اقترب منها سليم.
قال مبتسمًا
فاكرة أول يوم اشتغلتي عندنا؟
ضحكت.
كنت بخاف أبص في وش حد.
رد
والنهارده... كل مجلس الإدارة بيسمع رأيك.
نظرت إلى السماء وقالت
جدتي كانت دايمًا تقول إن الأمانة عمرها ما تضيع.
ابتسم سليم وقال
وكان عندها حق.
في تلك اللحظة، شعرت أمل أن سنوات التعب لم تذهب هباءً، وأن الشغالة التي لم يكن أحد يلتفت إليها، أصبحت سببًا في إنقاذ حياة رجل، وإنقاذ مؤسسة كاملة من الاڼهيار، وإثبات أن قيمة الإنسان لا يحددها منصبه، بل ضميره.
تمت.